فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 221

تاسعًا: ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة: أن القرآن ينتصر للمرأة:

فهذه خولة بنت ثعلبة كانت زوجة لأوس بن الصامت، وكان رجلًا غضوبًا قد كبر سنه، فجاء يومًا فراجعته زوجته في أمر ما، فغضب وقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه عن حالها وتشتكي إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) فجادلت النبي صلى الله عليه وسلم واشتكت في حرقة أمرها إلى رسول الله، أهكذا بكل «بساطة» تنقطع الصلة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) ؟ فقالت: يا رسول الله!

أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إليك أشكو، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) } [المجادلة:1] الآيات [1] .

فالرجل كان في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول: أنت علي كظهر أمي. فتحرم عليه، ولا تطلق منه، وتبقى هكذا، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية، ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقًا آخر، وكان هذا طرفًا من العنت والإهانة والإذلال الذي تلاقيه المرأة في الجاهلية [2] .

فنزل القرآن ليحكي هذا الشأن الذي سمع الله ما دار فيه من حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرأة التي جاءت تجادله فيه، وهذا هو الشأن الذي أنزل الله فيه حكمه من فوق سبع سموات، ليعطي هذه المرأة حقها، ويريح بالها وبال زوجها، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية!!

وإنه لتكريم أيُّ تكريم أن يقع مثل هذا الحادث العجيب، وأن تشعر هذه المرأة أن الله معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معنيٌّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزمتها العادية .. وهو الله .. الكبير المتعال .. العظيم الجليل .. القهار المتكبر، الذي له ملك السموات والأرض وهو الغني الحميد [3] ، تقول عائشة - رضي الله عنها - [4] : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة:1] .

وخلاصة القول: إن الإسلام يكرم المرأة ويخاطبها على أنها كائن مستقل عن الرجال وليس ملحقًا له، وأن الدخول في دين الله عمل عيني لا تصح فيه الوكالة، فالمرأة مكلفة تكليفًا عينيًا كما الرجل تمامًا، وهذا دليل على تكريمها واستقلاليتها، وأنها مخاطبة بدين الله كما الرجل، لا كما يزعم الغربيون أن المرأة لا تقرأ الإنجيل -أي: العهد الجديد- لأنها نجسة ولا تكون راهبة أو داعية إلى دينها إلا ما حصل في العصور المتأخرة رغم معارضته الكثير من القساوسة ورجال الدين الغربيين.

(1) انظر القصة بتمامها في تفسير ابن كثير (4/ 376) (سورة المجادلة) .

(2) في ظلال القرآن (6/ 3505) .

(3) بتصرف من المرجع السابق (6/ 3505) .

(4) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (13/ 460) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت