قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) } [التين:5] {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} [التين:6] قال: الذين قرءوا القرآن» [1] [2] .
قال أبو عبد الله البوشنجي في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار» والحديث صحيح [3] . قال: معناه أن من حمل القرآن وقرأه لم تمسه النار [4] .
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال» [5] .
ومن العجب أن السلف كانوا يتحدثون عن المدة التي يقرأ فيها الإنسان القرآن، أو في كم يقرأ القرآن؟ قال الإمام النووي - رحمه الله: «ينبغي لحامل القرآن أن يحافظ على تلاوته، ويكثر منه ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وقد كان للسلف منهم عادات مختلفة فيما يختمون فيه القرآن:
فكان جماعة يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين .. » [6] .
فإذا كان هذا حال السلف في قراءتهم للقرآن ومداومتهم عليه، وحرصهم على قراءته كاملًا وختمته في مدة معينة؛ فما بالك بمن لا يقرأه إلا في رمضان، أو بمن يقرأ من الكتب الهابطة أحيانًا أكثر مما يقرأ من القرآن .. وقد حدث في زماننا كثيرًا، وأخشى أن ينطبق علينا قول نبينا لربه عز وجل: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) } [الفرقان:30] [7] .
والهجر المقصود به هنا في ضوء ما ذكره المفسرون أن هجر القرآن له جانبان:
أحدهما: يتعلق بالقرآن دون أخذ له، وهذا صنيع الكفار والمنافقين.
الثاني: يتعلق بالقرآن بعد الإقرار بأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا صنيع بعض المسلمين الذين لا يقرءون القرآن، أو يقرءونه لا يجاوز حناجرهم، فلا يعملون به، ومن هؤلاء صنف يحفظ القرآن أو شيئًا منه ثم يهجر القراءة حتى ينسى ما قد يكون حفظه منه ..
ولذلك ذكر ابن حجر أن النسيان بعد الحفظ من الكبائر، وقال بأن ذلك هو ما ذهب إليه الرافعي وغيره، ونقل عن بعض العلماء أن محل كون نسيان القرآن كبيرة عند من قال به مشروط بأن يكون عن تكاسل وتهاون، وهذا احتراز عما لو اشتغل عنه بمرض مانع من القراءة، وعدم التأثيم بالنسيان حينئذ واضح؛ لأنه
(1) رواه في الترغيب والترهيب (2/ 355) قال المنذري: رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
(2) موسوعة نضرة النعيم (4/ 1228) .
(3) الحديث أخرجه أحمد في مسنده (4/ 155) .
(4) سير أعلام النبلاء (13/ 584) .
(5) موسوعة نضرة النعيم (4/ 1226) .
(6) صلاح الأمة في علو الهمة، د. سيد العفاني، (3/ 23) .
(7) موسوعة نضرة النعيم، (11/ 5691، 5692) .