فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 221

كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) [البقرة:255] . وقال في سورة الزمر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر:67] .

فإذا كانت هذه قدرة الله العظيمة؛ فكيف ينكر هذا الإنسان الضعيف البعث .. ؟! روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» [1] ، وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحَبْرِ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر:67] » [2] [3] .

فإذا كانت هذه قدرة الله وعظمته فهل يليق بهذا الإنسان الضعيف أن ينكر قدرته سبحانه على البعث والنشور والجزاء والحساب .. ؟!

ثم إن المنكر للبعث لو تفكر في خلقه وخلق غيره، لعجز عن الإحاطة بهذه القدرة العظيمة في خلق الله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) } [الأعلى:2 - 3] ، {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات:21] .

إن الله خلق كل شيء فسواه، وأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه .. وهو سبحانه الذي قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته، فهداه إلى ما خلقه لأجله، وألهمه غاية وجوده؛ وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه أيضًا ..

وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود؛ يشهد بها كل شيء في رحاب الوجود، من الكبير إلى الصغير، ومن الجليل إلى الحقير، كل شيء مسوى في صنعته، كامل في خلقته، معد لأداء وظيفته، ومثال ذلك:

إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن، فعصفور الهزاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبًا في الخريف، ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي، وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم الطيور في أمريكا إلى الجنوب، وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار، ولكنها لا تضل طريقها.

والبومة تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب (44) يقبض الله الأرض (7/ 192) ومسلم في كتاب المنافقين (3/ 2147) حديث رقم (23) .

(2) الحديث أخرجه: مسلم في كتاب المنافقين (3/ 2147) حديث رقم (19) .

(3) راجع: مختصر تفسير ابن كثير؛ لأحمد شاكر، (3/ 198) والتفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، (23/ 50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت