مهما تكن ظلمة الليل.
وإذا حمل الريح فراشة أنثى من خلال نافذة إلى علية بيتك، فإنها لا تلبث حتى ترسل إشارة خفية؛ وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة؛ ولكنه يتلقى هذه الإشارة ويجاوبها، مهما أحدثت أنت من رائحة بعملك لتضليلهما .. ترى هل لتلك المخلوقات الضئيلة محطة إذاعة؟ وهل لذكر الفراشة جهاز راديو عقلي، فضلًا عن السلك اللاقط للصوت (إيريال) ؟ أتراها تهز الأثير فهو يتلقى الاهتزاز؟!
في بعض أنواع النمل يأتي العَمَلة (العمال) منه بحبوب صغيرة لإطعام غيرها من النمل في خلال فصل الشتاء.
وينشئ النمل ما هو معروف (بمخزن الطحن) وفيه يقوم النمل الذي أوتي أفكاكًا كبيرة معدة للطحن بإعداد الطعام للمستعمرة، وهذا هو شاغلها الوحيد، وحين يأتي الخريف، وتكون الحبوب كلها قد طحنت؛ فإن أعظم خير لأكبر عدد، يتطلب ذلك حفظ تلك المئونة من الطعام. وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرًا من النمل الطحان؛ فإن جنود النمل تقتل النمل الطاحن الموجود، ولعلها ترضي ضميرها الحشري بأن ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي؛ إذ كانت له الفرصة الأولى في الإفادة من الغذاء أثناء طحنه ..
لا شك أن هناك خالقًا أرشدها إلى كل ذلك، وأرشد غيرها من الخلائق، كبيرها وصغيرها. إلى كل ذلك إنه {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) } [طه:50] [1] .
أيعجز بعد ذلك هذا الخالق العظيم على أن يبعث الناس من قبورهم للجزاء والحساب، حسب ما قدره وما خلقه لهم .. - سبحانه وتعالى - ..
أما عن الإنسان نفسه الذي ينكر البعث قال الله تعالى له: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات:21] ، هذا المخلوق الإنساني هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض، ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان، وحين يحرم نعمة اليقين.
إنه عجيبة في تكوينه الجسماني: في أسرار هذا الجسد، عجيبة في تكوينه الروحي: في أسرار هذه النفس، وهو عجيبة في ظاهره وعجيبة في باطنه، وهو يمثل هذا الكون وأسراره وخفاياه:
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير: تكوين أعضائه، وتوزيعها، ووظائفها، وطريقة أدائها لهذه الوظائف، عملية الهضم والامتصاص، عملية التنفس والاحتراق، دورة الدم في القلب والعروق، الجهاز العصبي وتركيبه، وإدارته للجسم و ... و. [2] ، ومثال بسيط على ذلك:
السمع والبصر {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) } [الملك:23] .
(1) للتوسع في هذه الأمثلة العجيبة راجع: العلم يدعو إلى الإيمان، ترجمة محمود صالح الفلكي. وراجع في ظلال القرآن، سيد قطب (6/ 3884) وما بعدها.
(2) في ظلال القرآن: سيد قطب، (6/ 3379) .