فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 221

إذا لم يحقق في الأرض أو لم يلق جزاءه، ولا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة بمقاييس الناس؛ فسوف يوفاه بميزان الله، ولا قنوط من العدل إذا توزعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد؛ فالعدل لا بد واقع، وما الله يريد ظلمًا للعباد.

2 -والاعتقاد باليوم الآخر حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم وتداس فيه الحرمات، بلا تحرج ولا حياء؛ فهناك الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عما يفوت.

وهذا التصور من شأنه أن يفيض السلام على مجال المسابقة والمنافسة، وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير ...

3 -والاعتقاد باليوم الآخر ضروري لاكتمال الشعور بأن وراء الحياة حكمة، وأن الخير الذي تدعو إليه الرسالات هو غاية الحياة؛ ومن ثم لا بد أن يلقى جزاءه؛ فإن لم يلقه في هذه الحياة الدنيا فجزاؤه مضمون في العالم الآخر، تصل فيه الحياة البشرية إلى الكمال المقدر لها. أما الذين يزيغون عن منهجه وحكمته - في اليوم الآخر - فهؤلاء يرتكسون وينتكسون إلى درك العذاب .. وفي هذا ضمان للفطرة السليمة ألا تنحرف ..

فإن غلبتها شهوة أو استبد بها ضعف؛ عادت تائبة ولم تلج في العصيان؛ ومن ثم تصلح هذه الأرض لحياة البشر، وتمضي الحياة على سنتها في طريق الخير [1] .

4 -أما الأمم والجماعات التي لا تؤمن باليوم الآخر فحالها يختلف كثيرًا عن حالة الفرد؛ فلأي شيء تعمل ولأي شيء تعيش؟

كل جماعة همها الحصول على أكبر قدر من المتاع (أو المزايا بتعبيرهم) على حساب جماعة أخرى! وكل أمة همها أن تتغلب على أمة أخرى لتسلبها حظها من المتاع، وتأخذه لنفسها، فتنشأ من ذلك الصراعات والحروب.

وأين القيم العليا؟ وأين حقوق الإنسان؟ وأين الضمير العالمي؟ وأين العهود والمواثيق؟ وأين التعاون في سبيل الخير؟ وأين العدل؟ وأين الإخاء والمساواة؟ إنها كلها في أمة لا تؤمن باليوم الآخر ألفاظًا يلوكها الناس نفاقًا ورياء .. لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يردع الناس عن الكذب والنفاق والرياء ولا إيمان ..

ومن ثم تهبط القيم في أمة لا تؤمن باليوم الآخر؛ لأنها لا تخاف ولا تردعها أي قوة .. فكان اليوم الآخر بمثابة الحارس الذي يمنع الأمم والأفراد من الظلم والبغي والعدوان [2] .

ونختم حديثنًا عن الإيمان باليوم الآخر بكلمة جميلة للإمام الغزالي صاحب الإحياء حيث يقول: إياك أن تنكر شيئًا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما في الدنيا، فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا، ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارًا لها، وفي طبع الآدمي! إنكار ما لم يأنس به! ولو لم يشاهد الإنسان الحَيَّةَ وهي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف؛ لأنكر تصور المشي على غير رجل، والمشي بالرجل -أيضًا- مستبعد عند من لم يشاهد ذلك. ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوان، وقيل له: إن له صانعًا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا

(1) اليوم الآخر في ظلال القرآن، جمع وإعداد أحمد فائز، (ص:17) .

(2) راجع: ركائز الإيمان، محمد قطب، (ص:400) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت