السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [1] .
قال الإمام ابن كثير [2] ـ - رحمه الله - وأسكنه الجنة ـ: [3]
(( أخبر تعالى عن نبيه محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنَّه رسوله حقًا بلا شك ولا ريب، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} ، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} .
ثم قال الإمام ـ - رحمه الله - وأسكنه الجنة ـ:
وقوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} : وصفهم سبحانه بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله - عز وجل -، والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول، كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [4] .
وقوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} : عن ابن عباس - رضي الله عنها - أنه: السمت الحسن ...
فالصحابة - رضي الله عنهم - خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.
قال مالك - رحمه الله: (( بلغني أنَّ النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام
(1) سورة الفتح (29) .
(2) إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي الأموي، الشيخ عماد الدين المعروف بابن كثير صاحب التفسير والتاريخ، تزوج ابنة المزي ولازمه وأكثر عنه، وتخرج بابن تيمية، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد (1/ 471) .
(3) تفسير القرآن العظيم (7/ 362) .
(4) التوبة (72) .