وكان من أخلاقه أنه كان صداعًا بالحق، لم يثنه الخوف عل المنصب أو عزله عن القضاء: «بسبب خطه على السلطان بالظلم، وزجره عنه تصريحًا وتعريضًا» [1] . «ومتع بالقول على ملازمته العلم والعمل ليلًا ونهارًا، مع مقارنة مئة سنة من عمره من غير كلل ولا ملل، ومع عروض الانكفاف له، بحيث شرح البخاري جامعًا فيه ملخص عشرة شروح، وحشى البيضاوي في هذه الحالة» [2] . وقد أورد الغزي كلمة جامعة في بيان أخلاقه، فقال: «وكان صاحب الترجمة مع ما كان عليه من الاجتهاد في العلم اشتغالًا واستعمالًا وإفتاءً وتصنيفًا ومع ما كان عليه من مباشر القضاء ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا، لا يكاد يفتر عن الطاعة ليلًا ونهارًا، ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقورًا مهيبًا مؤانسًا ملاطفًا يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مئة سنة وأكثر، ويقول: لا أعود نفسي الكسل، حتى في حال مرضه كان يصلي النوافل قائمًا، وهو يميل يمينًا وشمالًا لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض فقيل له في ذلك، فقال: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بذلك. وكان إذا طال عليه أحد في الكلام يقول له: عجِّل قد ضيعت علينا الزمان. وكان إذا أصلح القارئ بين يديه كلمة في الكتاب الذي يقرأ ونحوه، يشتغل بالذكر بصوت خفي قائلًاَ: الله الله، لا يفتر عن ذلك حتى يفزع، وكان قليل الأكل لا يزيد على ثلث رغيف، ولا يأكل إلا من خبز خانقا سعيد السعداء، ويقول: إنما أخص خبزها بالأكل لأن صاحبها كان من الملوك الصالحين» [3] .
المطلب السادس: عصره
(1) المصدر نفسه: 201.
(2) المصدر نفسه: 1/ 201.
(3) المصدر نفسه: 1/ 203 - 204.