فهرس الكتاب
الثَّاني: بعد تصحيح الإيمان؛ على المسلم معرفة ما يُصلح به فرضَ عينه، وفرضُ العين هو الأمرُ الواجبُ على كلِّ امرئ، فإذا لم يفعلْهُ أَثِمَ وكانَ عاصيًا لله تعالى.
وإذا كان ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به واجبًا؛ فتعلُّمُ فروضِ الأعيانِ من أعظم الواجباتِ التي لَا يُعذرُ الإنسانُ بجهلهَا، وحديث معاذ رضي الله عنه آنف الذِّكرِ دليلٌ على ذلك.
وكذلك ما رواه الشّيخان من حديثِ ابن عمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهَ وَأَنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ويقيمُوا الصَّلاةَ ويؤتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهَمْ إلَّا بحقِّ الإسْلَامِ، وحسابُهُمْ على اللهِ تعالى» [1] .
وعلى ذلك فعلى كلِّ مسلمٍ تعلُّمُ أحكامِ الطَّهارةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ، وهي الأمورُ الواجبةُ على كلِّ بالغٍ عاقلٍ؛ فعليه معرفة صفة ذلك وما يبطله وكلَّما تعيَّن عليه أمرٌ وجبَ عليه معرفةُ أحكامِ الله تعالَى فيهِ من حجٍّ وتجارةٍ ونكاحٍ وجهادٍ وغيره.
وقد تأوَّل كثيرٌ من العلماءِ حديثَ: «طَلَبُ العِلْمِ فريضةٌ علَى كلِّ مُسْلمٍ» على هذا النَّوعِ منَ العلمِ.
قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله: «قدْ أجمعَ العلماءُ علَى أنَّ منَ العلمِ ما هوُ فرضٌ متعيّنٌ على كلِّ امرئ في خاصَّةِ نفسِه، ومنه ما هو فرضٌ على الكفايةِ إذا قام به قائمٌ سقط فرضُه عنْ أهلِ ذلك الموضِع، واختلفُوا في تلخيص ذلكَ» [2] .
وذكرَ عنْ عبدِ الملكِ بنِ حبيبٍ أنَّه سَمِعَ عبدَ الملكِ بنَ الماجِشُونَ قالَ: سمعتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عنْ طَلَبِ العِلْمِ أوَاجِبٌ؟ فقَالَ:"أمَّا مَعْرِفَةُ شَرائعِه وسُننِه وفِقْهِهِ الظَّاهرِ فَوَاجِبٌ، وغيرُ ذلكَ مِنْهُ لِمَنْ ضَعُفَ عَنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ" [3] .
(1) رواه البخاري (25) ، ورواه مسلم برقم (36) .
(2) جامع بيان العلم وفضله (1/ 57) بتحقيق أبي الأشبال الزهيري.
(3) نفس المصدر (رقم:35) .