وجاء في تفسيرِ زادِ المسير لابنِ الجوزي: {إلا ما شاء الله} أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن، وقتادة. اهـ
ثالثًا: إن هذا الحديثَ- محل الاعتراض- لا يخدم مصالح المعترضين لوجهين:
الوجه الأول: إن الآيات التي أًنسيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكرها كانت مكتوبة بين يدي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم تنزل آية على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قام كتبة الوحي بكتابتها، وكانت محفوظة في صدور أصحابه - رضي الله عنهم - الذين تلقوها عنه - صلى الله عليه وسلم -، والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر؛ وليس في الخبرِ إشارة إلى أن هذه الآيات لم تكن مما كتبه كتاب الوحي، ولا ما يدل على أن أصحابَ النَّبِيِّ - رضي الله عنهم - كانوا نسوها جميعا حتى يخاف عليها الضياع ...
الوجه الثاني: إن روايات الحديث لا تُخبر أن هذه الآيات التي سمعها النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحدِ أصحابِه - رضي الله عنهم - كانت قد مُحيت من ذهنِه جملة؛ بل غاية ما تفيده أنها كانت غائبة عنه ثم ذكرها، وحضرت في ذهنه بقراءة صاحبه، وليس غيبة الشيء عن الذهن كمحوه منه؛ فالنسيان هنا بسبب اشتغال الذهن بغيره؛ أما النسيان التام فهو مستحيل على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبهذا قال أهل العلمُ كما يلي:
1 -قال الباقلاني: وإن أردت أنه ينسى مثل ما ينسى العالم الحافظ بالقرآن نسيانًا لا يقدح فيه فإن ذلك جائز بعد أدائه وبلاغه.
2 -قال ابنُ حجرٍ في الفتح: قَوْله (كُنْت أُنْسِيتهَا) :
هِيَ مُفَسِّرَة لِقَوْلِهِ"أَسْقَطْتُهَا"فَكَأَنَّهُ قَالَ أَسْقَطْتُهَا نَسِيَانًا لَا عَمْدًا، وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ"كُنْت نَسِيتهَا"بِفَتْحِ النُّون لَيْسَ قَبْلهَا هَمْزَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: النِّسْيَان مِنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآن يَكُون عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدهمَا نِسْيَانه الَّذِي يَتَذَكَّرهُ عَنْ قُرْبٍ، وَذَلِكَ قَائِم بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّة، وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي السَّهْو"إِنَّمَا أَنَا بِشْر مِثْلكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ"وَالثَّانِي أَنْ يَرْفَعهُ اللَّه عَنْ قَلْبه عَلَى إِرَادَة نَسْخِ تِلَاوَته، وَهُوَ الْمُشَار إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى (سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه) قَالَ: فَأَمَّا الْقِسْم الْأَوَّل فَعَارِض سَرِيع الزَّوَال