ولا أنكر وجود التقديم والتأخير في اللغة العربية وخصوصًا في الشعر العربي الأصيل لأنه يحمل فنًا جميلًا من الشاعر .... أما في القرآن فلا يحتاج رب العالمين لاظهار مهارته في كتابه رغم أنه معجز في ألفاظه ومعانيه وقد يسره الله للذكر كي يكون سهل الفهم على البسطاء ومن يريد فهمه؛ فلا يحتاج ربُّ العالمين إلى مثل هذا في كتابه الحكيم ....
واكتفي هاهنا بذكر بعض التفاسير التي تفيد بموته -عليه السلام- كما يلي:
1 -تيسير تفسير القطان لإبراهيم القطان المتوفى: 1404 هـ (ج 1/ص 450) : وقد فسّر الألوسي قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} بمعنى: إني مُسْتوفٍ أجَلَك ومميتُك حتفَ أنفك لا أسلط عليك من يقتُلُك، وهو كنايةٌ عن عصتمه من الأعداء وما كانوا بصدَدِه من الفتك به -عليه السلام -. وظاهرٌ أن الرفع الذي يكون بعد استيفاء الأجَل هو رفْع المكانةٍ لا رفع الجسد، خصوصًا وقد جاء بجانبه قولُه: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا} . مما يدل على أن الأمر أمرُ تشريفٍ وتكريم.
وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ} ، {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} ، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، {يَرْفَعِ الله الذين آمَنُوا} . إلى أن يقول وبعد، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل، ناصَبَه قومُه العداء، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر النسبة إليه، فالتجأ إلى الله، فأنقذه الله بعزته وحمته وخيّب ممكر أعدائه. هذا هو ما تضمنته الآيات {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله} إلى آخرها، بين الله فيه قوة مَكره بالنسبة إلى مكرهم، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع إذ قال: {يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا} ، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم، وأنه سَيَتْوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه. الخ «.
ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده:
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} .