إتحافُ الأكابر برثاء الأمير والمهاجر
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ من المعاني ما لا تستطيعُ الحروفُ أنْ تُحيطَ به ... إمَّا لِغَورِ تِلكُم المعاني أو لامتدادها الشاسعِ في رقعةِ الوجدانِ أو لثقلها الكبير ... فالحروفُ والحالُ هذه لا تأتي إلا على بعضِ ما قامَ في النفسِ وما يبقى يظلُّ يحفرُ في الذَّات ...
فإذا كان الأمرُ كذلك فلا أشدَّ أثراً في الوجدانِ من معنى الألم الذي له وقعُه الخاصُ عليه ..
ومنشأُ الألمِ يختلفُ باختلافِ بواعِثِه ودواعِيه ... فما الظنُّ حينها إذا كان باعثُهُ فِرَاقَ قائدينِ عظيمينِ وشيخينِ جليلينِ كانت وما زالت وستظلُّ-بإذن اللهِ تعالى-قلوبُ الموحدينَ تكنُّ لهم الحبَّ والتقديرَ والإجلالَ والتكريم ...
كيف لا نتألمُ وهم أحبُّ ألينا من الأهلِ والولد ...
كيف لا نتألمُ وهما القمرانِ في سماءِ التَّضحيةِ والفدَاء ...
كيف لا نتألمُ وقد ذكَّرانا بقادةِ المسلمين الأوائل.
رحمكم اللهُ أبا عمر وأبا حمزة ...
غادرتما هذه الحياةَ وتركتمونا نعاني بفقدِكم حُرقَةً لا يعلمها إلا اللهُ جلَّ وعلا ... لكنَّنا على يقينٍ أنَّ ما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى ونحسبُ أنَّكم أحياءٌ عندَ ربِّكم تُرزَقون ..
وليعلمُ الموحدون أنَّ أمتنا ولودٌ لا يمضي قائدٌ إلا خَلَفَه قائدٌ يُكملُ المسيرةَ ...
فرايةُ الجهادِ لا تسقطُ بارتفاعِ القادةِ الصادقينَ بقَتلِهم وإنَّما هو إيذانٌ بِعَهدٍ جَديدٍ وطَورٍ مُختَلفٍ من الصِّراع, عهدٌ يُحرَقُ فيها أخضرُ الكُفرِ ويابسُه, والأيامُ حبلى ...
وإذا كان أحدُهُم قالَ في رحيلِ أحدِ السادةِ:
وما كانُ قيس ٌهلكُه هلك واحدٍ *** ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما
فإنا نقول إنَّ بناءَ دولةِ العراقِ الإسلاميةِ سيعلو ويرتفع -بإذن الله تعالى- برحيل الشيخين-رحمهما الله تعالى-
أبا عمر البغدادي
لله درُّك
كنتَ أميرَ تقىً وورع ..
أميرَ جهادٍ ورباط ..
أميرَ علمٍ وهدى ..
لله درُّك
في زمانِ الطواغيت
أربابِ الخنا والرذيلة
أبا حمزةَ المهاجر
لله درُّك
يا فاقئ عَينِ الردة
ومدوِّخ الصليبينَ والمجوس
لله درُّك
في زمان وزراءِ الذُّلِّ والعار
وزراء الفنادق والطبلِ والمزمار
ما زالت كلماتُكُم ترنُّ في أذني وتتَّقِدُ في وجداني و واللهِ الذي نفسي بيده إنَّ كلماتكم التي كنَّا نسمعُها لم تكنْ سوى طاقةٍ رهيبةٍ كنتم تزوِّدوننا بها في وقت كنَّا نرى الخنوع والرضوخ للكفار في كلِّ محفلٍ قائمٌ
فاللهَ أسألُ أن يجمعنا بكم في مستقرِّ رحمته وأن ينزلكم منازلَ الشهداءِ
وقد قلتُ أرثيهما رضي اللهُ عنهما:
رحلَ الكرامُ وذكرُهم لا يرحلُ *** إنَّ الخطوب على القلوبِ لتفعلُ
همْ كذا الشهداءُ تبني دمائُهم *** صرحَ الفخارِ وللعزائم تُشْعِلُ
عندَ الصبيحةِ لستُ أدري أنَّني *** عمَّا قليلٍ للمواجعِ أحملُ
أنَّ الأميرَ كذا المهاجرَ ودَّعا *** هذي الدنى وعن الحياةِ ترجَّلوا
يا ابنَ الرسولِ وكلُّ حرٍ ماجدٍ *** يرجو بأنَّك في النعيمِ ستنزِلُ
قتلوكَ كالأبطالِ غيلةُ كافرٍ *** عمدوا إلى حِمَمِ الحديدِ فأرسلوا
خسؤا بأنْ يصلوا إليك بجمعهم *** دونَ البواسلِ أنتَ وحدكَ جَحْفَلُ
وارحمْ إله العالمين وزيرنا *** واجعله في حُلَلِ الكرَامةِ يَرْفُل
ما خرَّ إلا بالديانة قائما *** قد كان يصبو للشَّهادةِ يسألُ
يا أيُّها الشيخانِ كُنتم شُعْلةً *** وجهُ الكفاحِ بذكرِكُم يتهلَّلُ
فعليكُما رَحَمَاتُ ربِّي دائماً *** ما هلَّ وبلٌ في البسيطةِ يهطِلُ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
أبو ذر السمهري اليماني
الأحد 18/ 5/1431 هـ