فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 3505

نُشِرَ بتاريخ 30 - 1 - 2006 البيان رقم 250

(أبو خالد السوري)

هادئٌ أديبٌ، وقورٌ حصيف، إذا علِمَ عمِل، سمّاع مِطْواع، رحمه الله أبا خالدٍ الفلسطينيّ، نعم فلسطينيٌ فهو من سُكان مخيمِ حطّين بدمشق من أصلٍ فلسطيني، لكنه وكأبناء جيلِه وُلِدوا في الشّتات وعاشوا على حُلم العِزّة والتّحرير، لكن أبا خالد كان من أولئك النّفرِ القليل الذين تربّوا على منهج السّلف، وعلى سّنة رسول الله عقيدةً ومنهجاً.

أقْبلَ أبو خالد مع ذلك الرّكب المَيمون، ركْبِ أبي خبّاب، ومع الفارسِ المقدامِ والبطل الصّنديد، والمُقاتل المجرّب أبي حسن؛ ومع أنّ أبا حسن أكبرُ سناً من أبي خالد، إلاّ أنّه حسنةٌ من حسناته، فلمّا استُشْهد أبو خالد، رأيتُ أبا حسن كأنّه فَقدَ الدّنيا وما عليها، كان أستاذهُ وشيخُه وصديقُه، وموضِعُ سرّه ونصحِه، ولذا سكبَ عليه الدّموع، وغمَسَ نفسه في العدوّ مراراً، رجاءَ أن يلحق بصاحِبه لكن حِكمة الله غالبة.

جاءَ أبو خالد وجلَس في بيت الشّهيد أبي عمر، وأقْبل على إخوانه نصحاً وإرشاداً، ثم أخذَ دورةً مقتضبةً في المتفجرات والتّشريك، وكان أبو خالد قَدِم لعملٍ إداريّ ما، لكنّه فاتحني برغبتِه الشّديدة في عملٍ استشهاديّ، وذلك بعدما استقرَّ في قلبه وعقْله أنَّ النّكاية به كبيرة، وأنَّ الميدان يُثْبت أنّها الصّوت المسموع الذي يصمُّ آذان العدوّ، فلا يستطيعونَ لها كِتماناً، ولا لأثارها محواً، لكنّ أبا خالد حمّلني حِملاً تنوءُ الجبال بحَمْله، قال:"أنا أضَعُ هذا الأمر في رقَبتك، بحيث يكونُ الهدفُ فيه نكايةٌ للعدوّ، لا يمكنُ تنفيذها بغير ذلك".

ومضى أبو خالد يُعدّ الرّاحلة ويتجهّز للسّفر، أقْبلَ على ربّه وتغيّرت ملامِحُ الرّجُل، فصار وجهُه يُضيء كأنّه قِطْعة قَمر أو بريق فِضّة، وعينيه تُشعُّ بريقاً دافئاً وضياءاً، تُقسِم لو رأيته أنّ للرّجل سراً مع ربّه أو عبادةً خاصة، أو أنَه يُقبِلُ على أمرٍ هيّأه له مَولاه، وكيف لا والرّجُل جعل أنيسَهُ وجليسهُ كتابَ الله، يناجي مولاه، يطلُب منه التّوفيق والسّداد، ويرجو منهُ الثّبات عند اللّقاء.

وكان البيتُ مشحوناًً بالشّباب المهاجرين، فطلب منّي رجاءً أن يذهب إلى بيتٍ يستطيع فيه الاختلاءَ بنفسه، فالوقتُ قصيرٌ والعِبءُ ثقيل، فوعدْته إن تيسّر لي ذلك، ثمَّ عُدْت بعدما اجتهدتُ فاعتذرتُ له قائلاً:"يا أخي، هذه طاقتُنا وطلبُك حقّ لكن اعذُرني"، وعذَرَنا الرّجل ومضى يُمهّد الطّريق لرحلتة إلى مولاه، ويا لها من رِحلة، ويا لها من أوقاتٍ، جاءنا أمرُ التنفيذ على هدفٍ مهمّ وطاغوت مجرم.

كان الهدفُ بيتاً يأتي إليه جنرالٌ كبير من الـ"سي آي أي"، ويكونُ فيه عددٌ من الجواسيس، وحينما يأتي تكونُ معه حراسةٌ مشدّدة، وتمَّ رصدُ البيت وتحديدُ أسلوب العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت