بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فيقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} .
ويقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرّوْحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
أيها الحاملون أرواحهم على الأكُفّ، أيا من أثلجتم صدور المؤمنين، وأحرقتم أكباد الكافرين، أيُّها المرابطون في سبيل الله عمومًا وعلى ثغور الألغام والعبوات خصوصًا، وفوق ثرى مالي الأبية بالأخصّ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه عبارات زوَّرتُها في نفسي وأنا اتابع كغيري من المسلمين سلسلة انتصاراتكم المتوالية ونكايتكم المتتالية في صفوف الصلبيين وأذنابهم من المرتدين، عبارات فخر وإعجاب لطالما اعتلجت بين الجوانح فاهتزَّت لخلجاتها الجوارح، وقد آن لها أن تجاوز الجنان ليهلج بها اللسان، فقد بِتُّ لا أطيق لها كبحًا وقد جمحت بها انتصاراتكم جمحا.
إخوتي في الله؛ لم أجد بعد السلام أبلغ في الثناء عليكم من: (جزاكم الله خيرا) ؛ فقد روى الترمذي والنسائي من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) ، ولقد صنعتم لنا المعروف تلو المعروف، فجزاكم الله خيرا.
جزاكم الله خيرًا عن كل مسلم تفحَّم جثمانه الطَّاهر جراء الحقد الصليبي وقصفهِ الجنوني، وعن كل مسلم بريء طالته أيادي الاعتقال الآثمة ولا ذنب لهُ سوى أن الكفار فشلوا في العثور عليكم، يا أمن أشعلتم الأرض تحتهم ألغامها، وأحلتم دروعهم حطاما.
وجزاكم الله خيرًا عن كل مدينة أو قرية وعن كل مخيم أو سوق عاث عُبَّاد الصليب وأذنابهم في عُقرهِ تفتيشًا ونهبًا وأوسعوا أهله إهانة وسلبا.
وجزاكم الله خيرا عن كل شبر دنَّست هذه الحملة الغاشمة ثراه بجحافلها وأحرقت أخضرهُ ويابسهُ بقنابلها.
أيها الأبطال الأخفياء؛ إنه عندما كان واقعكم الأمني يقتضي أن تُجهَل شخصياتكم أبى عليَّ جليل أقداركم وجميل اصطباركم إلا أن أُعرِّف بنَزْرٍ ولو يسير من تضحياتكم وبطولاتكم، هذا مع يقيني أنه لا يضركم أن لا يعرفكم الناس، ما دام يعرفكم رب الناس. وما هذه الكلمات إن شاء الله إلا من عاجل بشراكم، فبشراكم.
بشراكم بالثناء الجميل والأجر الجزيل إن شاء الله، فإني لأحسبُ أنكم ممن تأوَّل قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: (من خير مَعَاش النَّاس لهم، رجل مُمسك عَنَان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه) ، فما سمعتم بخروج رتل أو دورية للغزاة، إلا وطرتم على متون درجاتكم بألغامكم وعبواتكم تزرعون بها أرضكم لتعيش شريعة الإسلام، بينما يزرع الرَّاضون بالزرع للتمتع الأجسام، فشتان شتان!
أيا من زرع الله بزراعتكم الرعب في قلوب الكافرين، بأي ثغوركم أبدأ؟! وعن أي أمجادكم أتحدَّث؟!
أأبدأ من أبيبرا ونجادها؟ أم من تساليت ووِهادها؟ أم أتحدث عن كيدال وشوارعها؟ أم عن أجلهوك ومرابعها؟ أم عن غاو وضواحيها؟ أم عن تمبكتو ونواحيها؟ أم عن إربندا وغابها؟ أم عن منكَّا وشِعابها؟ أم عن ماسينا وآجامها؟ أم عن ادوينزا وآكامها؟!
تكاثرتِ الثُّغور على مقالي ... فما يدري مقالي ما يقولُ!
ولكن لمَ المقال وقد أفصحت الفِعال؟! فهاهم المسلمون يواكبون عيانًا أو عبر وسائل الإعلام حصيلة أعمالكم المباركة على مدار أربع سنوات من عمر هذه الحملة الصليبية الغاشمة، أعمالكم التي أذهلت الخبراء وأربكت الأعداء، فهذه عشرات المدرعات الفرنسية نسفتموها -بفضل الله-، خمسة منها في أقل من أسبوع. وتلك أخرى للقوة التّشادية كذلك، وأخواتها للقوات الأممية هنا ومثيلاتها للجيش الماليّ هناك، إلى ما هنالك من مشاهد بطولاتكم التي لم يعد يخلو منها زمان ولا مكان على طول هذه البلاد وعرضها ..
إنها والله لفرحةٌ عارمة، وسعادة غامرة، تلك التي أدخلتم على قلوب المسلمين، فطِبتم وطاب زرعكم.
فلَكَم تبجَّحت الدِّعاية الفرنسية وحليفتها الأممية ودوَّت طبول إعلامهما:"قضينا على الجهاديين في مالي"، وإذا بجلجلة انفجاراتكم المتواضعة تجيب بثبات:"هيهات هيهات"، نعم؛ هيهات هيهات إن شاء الله.
هيهات لمن يعتمد في حربه على سلاح الجو بالقضاء على خطركم أيها الأباة على الأرض فضلًا عمَّا تحت الأرض، ويتساءل العالم وفي مقدّمته المُستَهدِفون المحتلُّون أنفسهم عن هؤلاء الرجال الذين ما برحوا يمرّغون كبرياء الكفر الصليبي وأحلافه، وما درى المتسائلون أن أولئك الرجال -أعني الجبال- هم أنتم أيها الشباب المرابط، يا من آثرتم المنيَّة على الدَّنية، نعم أنتم أيها الشُّعث الغُبر، يا من استَعَضْتُم عن لهو الشباب بمقارعة الصِّعاب، أجل أنتم يا من آليتُم على أنفسكم الذَّبَّ عن شريعتكم وعِرض نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، ولا أزكّيكم على الله.
ولكم أن تتصوروا أيها الأبطال مدى الغيظ والمرارة التي يتجرَّعها أعداء الله ورسوله وهم يشاهدون عبواتكم وألغامكم اليسيرة التجهيز، السريعة الزرع، تنسف آلياتهم الباهظة الثمن، المجحفة التكاليف! فلا يجدون ما يطفئون لهيب غيظهم سوى مناطحة الجبال ومصارعة السهول بقصفهم الجنوني.
وينسى هؤلاء الجبناء في غمرات الرعب والهلع أن تكاليف قصفهم الطائش ما هي إلا استنزاف مادي يضاف إلى رصيد تنكيلكم بهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .
أشبالنا الأشاوس؛ لطالما غبطكم على المؤهلات التي رشَّحتكم لتلك المهام الخطرة وخوَّلتكم لتلك المنازل الرفيعة، ولكن حسبي مع فقدها تكثير السَّواد وحفظ المتاع، فاحمدوا الله وأشكروه على ما أولاكم من فضله العظيم.