فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 3505

المسيرة الجهادية

بين الإقدام والإحجام

إن الوصول إلى القمة أمر شاق وصعب، ثم البقاء عليها أشق وأصعب.

ولذا كان الجهاد - ذروة سنام الإسلام - شاقاً على النفس أن تستسيغه أو تندفع إليه، قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} ، إلا إذا وصلت إلى مرتبة عالية من الصفاء والنقاء واليقين بوعد الله.

والأشق من ذلك؛ هو الاستمرار في التضحية بالنفس والمال، نظراً لطول الطريق وقلة الزاد وكثرة المثبطين والمرجفين وقوة الأعداء واشتداد بأسهم.

فالجهاد شُرع وسيلة لتحقيق غاية عظمى، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، فلا حكم ولا تشريع ولا سلطان إلا لله وحده [1] .

"والجهاد هو بذل الوسع - وهو القدرة - في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه، ومعلوم؛ أن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات" [2] .

والجهاد ليس غايته الحصول على حكم ذاتي محدود، أو اعتراف دولي، أو تقاسم المناصب الوزارية مع الأنظمة المبدلة لشرع الله والموالية لأعداء الدين، وإنما - كما ذكرنا -؛ لتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله.

ولو كانت هذه الغايات الأخرى مقصودة ومعتبرة شرعاً؛ لكان قد قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه الملك والمال والشرف وغيرها من المغريات، وذلك مقابل أن يكف عن عيب آلهة مشركي مكة وتسفيه أحلامهم والدعوة إلى توحيد الألوهية، بل إن الله توعد المسلمين في شخص رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا التهديد الرهيب: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً} .

(1) انظر سلسلة؛ لماذا شرع الجهاد.

(2) فتاوى ابن تيمية: 10/ 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت