وكل من في هذه الدنيا يعاني ويكدح، ومن أراد العلو فيها يجب أن يبذل قصارى جهده لنيل مطلوبه، سواء من يجاهد لإحقاق الحق أو من يقاتل لتمكين الباطل، يقول الله عز وجل: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما} .
"فلا بد من أذى لكل من في الدنيا، فإن لم يصبر على الأذى في طاعة الله، بل اختار المعصية؛ كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير، {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} ، ومن احتمل الهوان والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز في معصية الله - كما فعل الأنبياء والصالحون - كانت العاقبة له في الدنيا والآخرة، وكان ما حصل له من الأذى؛ قد انقلب نعيماً وسروراً، كما أن ما يحصل لأرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزناً وثبوراً" [1] .
لكل ذلك؛ نعجب من التبدل الظاهر في مسيرة بعض الحركات الجهادية، بعد أن تطول المعركة وتحتدم وتكثر الجراح ويزداد التآمر لمنع المجاهدين من الوصول إلى غايتهم وتحقيق مأربهم، فهنا يكون التنازل عن الشعارات التي كانت ترفع في البداية؛ من التخلص من الأنظمة الطاغوتية وتحرير العبودية لرب العباد، لتصبح مجرد الحصول على حكم ذاتي، بغض النظر عن شكله أو المقدار الذي يغطيه - ولو كان فتاتاً - من أراضي المسلمين المغتصبة، أو تشكيل حكومة انتقالية مشتركة بين الشيوعيين والعلمانيين وقيادات المجاهدين، أو التمهيد لعقد انتخابات عامة يشترك فيها الجميع، والتي عادة ما تكون نتيجتها صفراً كبيراً للإسلاميين - ولن نعدد الأمثلة والتي كان آخرها ما حدث في طاجكستان -
أو من أجل إطلاق سراح القادة الذين اعتقلوا في المعركة مع أعدائهم، أو حتى إصدار العفو العام عن المجاهدين والسماح لهم بالعودة إلى حظيرة المجتمع مع بقية القطعان، شريطة إلقاء السلاح وأن يكونوا تحت سمع وبصر أجهزة الأمن الطاغوتية وسطوتها! بل يمكن أن يكونوا من جنودها وأفرادها ومناصريها - كما وقع بالجزائر - ونسأل الله العافية.
ومن ثم يتبادر إلى أذهان الجماهير علامات استفهام لأسئلة كبيرة لا يجدون لها جواباً:
-علام كانت هذه التضحيات الجسام التي أتت على الأخضر واليابس ودمرت الحاضر والمستقبل؟!
(1) الفتاوى: 15/ 132 - 133.