عبرات العبير في رثاء أمير المؤمنين والوزير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على الضحوك القتال، وبعد:
فإن للشهد والعبير عبرات، أبث بعضها في هذه الورقات، وقد قال الأصمعي:"قلت لأعرابي: ما بالُ المراثي أشرفُ أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة".اهـ [العقد الفريد 3/ 169] . أي والله إنها محترقة.
منذ أيام تناقلت الأخبار هنا ونهالك، نبأ مقتل أمير المؤمنين ووزير حربه المبارك.
رأيت الصورة الأولى؛ فاهتز وجداني، وارتعش جناني ..
وأقسم برب الكعبة أنني قلت في نفسي:"هذه الهيبة التي تعلو وجه هذا الرجل لا تكون إلا لشخص واحد؛ ألا وهو أمير المؤمنين". ولكن أنىّ لي أن أبوح بذلك لإخواني!
لكن اكتفيت بأن قلت لهم:"أما الصورة الأولى فمنذ أول ما نظرت إليها وقع في قلبي هيبة عظيمة لصاحبها .. سبحان الله! عليه هيبة أهل العلم .. وكأنه جثمان أحد الأئمة من التابعين وتابعيهم."
ولكن السؤال: هل هو أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي حفظه الله؟!".اهـ."
ثم دعوت الله أن يكذب الخبر، ويخطئ ظني.
أحقاً أنه أودى [شهيداً] *** تَبينْ أيها الناعي المُشِيدُ
أتدري من نَعيتَ وكيفَ فاهتْ *** به شَفتاك واراك الصَّعيدُ
أحامي المُلكِ والإسلامَ أوْدى *** فما للأرضِ ويْحكَ لا تَميدُ؟!
تأَملْ هل ترى الإسلام مالتْ *** دعائمهُ وهل شابَ الوليدُ؟!
مرت هذه الأيام، ونحن بين الخوف والرجاء، ولم نغفل عن الدعاء .. حتى استيقظت اليوم لصلاة الفجر وإذ بالناعي ينعي أمير المؤمنين أبي عمر البغدادي ووزير حربه أبي حمزة المهاجر رحمهما الله .. كذبته -لفرط حبي لهما- وما جربت عليه الكذب، فأقسم لي بالله على صدق ما يقول؛ وأكد لي ذلك بوضع بيان دولة العراق الإسلامية في حضني فكان البيان هو أول ما فتحت عليه عيني في صبيحة هذا اليوم! فوقع البصر، على نعي السمع والبصر!
"بعد رحلة حافلةٍ مليئة بالتضحية ومدافعة الباطل وحزبه، ترجّل فارسان من فرسانك ليلحقا بركب القادة الشهداء، ركْب الأبطال الذين أقدموا حيث أحجم النّاس، وصبروا على أمر الله حيث جزع النّاس، وصابروا أعداء الله، ورابطوا على ثغور الإسلام، والموت يتربّص بهم أرضاً وجواً في كل ركنٍ وموطن .."
ونحن والله يعزّ علينا أن نُعلن نبأ فقدان الأمّة الإسلامية مرّة أخرى قائدَين من قادة الجهاد، ورجلين من رجالاتها، لم يُعرف عنهما إلا بطلين ثبتا على درب الجهاد رغم استعار المحن، وشدّة الابتلاء، و تمالُئ الأعداء، ففتح الله على يديهما باباً جديداً لإقامة الدّين، والحكم بشرع ربّ العالمين على أرض العراق، ورفع الله ذكرهما، وجعل اسمهما غُصّة في حلوق الكفار، وقتْلهما مطلباً للحملة الصليبية، جنّدوا لها طوابير الجواسيس وجيوش العملاء ودوائر المخابرات وعيون أقمارهم الصناعية، حتى شاء الله أن يترجّل الفارسان شهيدين في سبيل الله، نحسبهما كذلك والله حسيبهما".اهـ [صدر البيان] ."
ألا يا عينُ ويحكِ أسعدينا *** ألا تبكي أميرَ المؤمنينا؟!
بلى والله تبكيه دمعاً ودماً، وما أظن أن مجاهداً تحت أديم السماء لم يذرف الدمع لفقد أمير المؤمنين سبط الرسول، وحفيد البتول .. ولله در من يقول:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ *** فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ!
أي والله: ليس لها عذر!
قال الله تعالى: (أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) . قال ابن عباس رضي الله عنهما:"خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها".اهـ وكذا قال مجاهد أيضاً:"هو موت العلماء".اهـ [انظر تفسير ابن كثير] ، فكيف لا تخرب وتنقص بقتل من جمع بين العلم والعمل؟! بل أعظم من ذلك:
فالشمس في كبِدِ السماءِ مريضةٌ *** والأرضُ واجفةٌ تَكادُ تَمُورُ
وحفيفُ أجنحةِ المَلائكِ حَولهُ *** وعُيونُ أهلِ اللاذقيةِ صُورُ
حتى أتَوا جَدثاً كأن ضريحهُ *** في قَلبِ كُل مُوحدٍ محفُورُ
فيهِ السماحةُ والفصاحةُ والتقى *** والبأسُ أجمعُ والحجى والخيرُ
ما كنتُ أحسبُ قبل دفنكَ في الثرى *** أن الكواكبَ في الترابِ تَغورُ!
ما كنتُ آمُلُ قَبلَ نعِشكَ أن أرى *** رَضوَى على أيدي الرجال تَسيرُ!
هاهي الشهادة أتتك يا أمير المؤمنين -نحسبك والله حسيبك- بعد طول جهاد واجتهاد، ومصابرة وجلاد، وقد شهد الجميع برصيدك الحافل منذ عقود، فقد جاء في جريدة (الشرق الأوسط) ما يلي:"انضم البغدادي إلى الجماعة السلفية الجهادية في العراق عام 1985 وكان من أبرز منظريها، وطورد من قبل نظام صدام حسين وهرب من العراق إلى أفغانستان عام 1987 وعاد لاحقا إلى العراق عام 1991، وقيل إنه أعدم بعد إلقاء القبض عليه من قبل أجهزة الأمن، ولم يعلن عن وجوده في العراق إلى عام 2004 في معركة الفلوجة الأولى، فيما بعد تم اختياره كأمير لما يسمى مجلس شورى المجاهدين ثم أميرا لما يسمى «دولة العراق الإسلامية» ".اهـ
رحمك الله يا شيخنا، فمنذ التسعينيات وهم يزعمون موتك مرات .. ومرات، وهذه لم تحدث -فيما أعلم- لأحد غيرك بعدد ما حدثت لك .. حتى خرجوا علينا -هذه الأيام- يؤكدون ويقولون:"مات أبو عمر!".
خابوا وخسروا فما مات شيخنا، فإن رب شيخنا يقول: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) .. قال الشيخ سيد قطب رحمه الله:"هؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتاً. إنهم أحياء. فلا يجوز أن يقال عنهم: أموات. لا يجوز أن يعتبروا أمواتاً في الحس والشعور، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان. إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه".اهـ [في ظلال القرآن 1/ 143] .
وهاهي الشهادة أتتك يا وزير الحرب -نحسبك والله حسيبك-، وقد زكتك جبال الهندوكوش، كما صرح بذلك شيخ المجاهدين، وأسد الموحدين أسامة بن لادن حفظه الله.
إن علو الشيخ المجاهد أبي حمزة المهاجر رحمه الله طيلة حياته وعدم استكانته، وأخيراً في مماته تحت حمم المتفجرات، في وسط الساحات، ثم إبراز صورته عالية على الملأ وسط الشاشات .. يذكرنا بما قصه علينا الإمام ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية 11/ 290) حيث قال:"إن عضد الدولة أخذ ابن بقية الوزير لعز الدولة فأمر به فوضع بين قوائم الفيلة فتخبطته بأرجلها حتى هلك، ثم صلب على رأس الجسر .. فرثاه أبو الحسن بن الأنباري بأبيات يقول فيها:"
علوٌ في الحياةِ وفي المماتِ *** بحق أنت إحدى المعجزاتِ
كأنَ الناسَ حولك حين قاموا *** وفود نداك أيام الصلاتِ
كأنكَ واقفٌ فيهم خطيباً *** وكلهم وقوفٌ للصلاةِ""
لقد حدثني أحد أحبابي -حفظه الله- ذات يوم فقال:"يا أبا فلان، أتعرف ما أصعب شيء في هذا الدرب؟"
ثم قال لي:"حدثني من جرب القتال، ومنازلة الأقران في ساحات النزال، ثم جرب الأسر والاعتقال، والتعذيب وقهر الرجال .. ثم قال: كل شيء هين في هذا الدرب، إلا فراق الأحبة!"
إنها كلمة تكتب بماء العيون .. أتذكرها كلما ذرفت منا العيون، في فقد حبيب داهمه المنون، لا سيما إن كان الحبيب كأمثال الشيخين رحمهما الله.
الحزنُ يُقلِقُ والتَّجملُ يرْدَعُ *** والدمعُ بينهما عَصِييٌ طَيِّعُ
إني لأجبنُ عن فراقِ أحبتي *** وتُحس نفسي بالحِمامِ فأشْجُعُ
ولكن عزائنا في مصابنا قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) ، فنسأل الله أن يجمعنا جميعاً في دار كرامته .. اللهم آمين.
وإن مما يُطفئ نار الفراقِ، ويُوقف دمع المآقي، أن ما شيده هؤلاء العظماء، لن يُهدم بقتلهم -ورب السماء-، وإني لأحسب أن الشيخ أبا عمر القرشي رحمه الله صدق الله فصدقه، حيث يقول:
"وإن .. دولة الإسلام .. باقية."
باقية .. لأنها بُنيت من أشلاء الشهداء، ورويت بدمائهم وبها انعقد سوق الجنة ..
باقية .. لأن توفيق الله في هذا الجهاد أظهر من الشمس في كبد السماء ..
باقية .. لأنها لم تتلوث بكسب حرام أو منهج مشوه ..
باقية .. بصدق القادة الذين ضحوا بدمائهم، وصدق الجنود الذين أقاموها بسواعدهم نحسبهم والله حسيبهم ..
باقية .. لأنها وحدة المجاهدين ومأوى المستضعفين ..
باقية .. لأن الإسلام بدأ يعلو ويرتفع، وبدأت السحابة تنقشع وبدأ الكفر يندحر وينفضح ..
باقية .. لأنها دعوة المظلوم ودمعة الثكالى وصرخة الأسارى وأمل اليتامى ..
باقية .. لأن الكفر بكل ملله ونحله اجتمع علينا وكل صاحب هوى وبدعة خوان جبان بدأ يلمز ويطعن فيها؛ فتيقنا بصدق الهدف وصحة الطريق ..
باقية ... لأنا على يقين أن الله لن يكسر قلوب الموحدين المستضعفين ولن يشمت فينا القوم الظالمين ..
باقية .. لأن الله تعالى وعد في محكم تنزيله فقال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ".اهـ"
وهاهو الشيخ الفاضل أبو الوليد عبد الوهاب المشهداني حفظه الله يطمئن أهل الإيمان، في كل مكان، فيقول:
"ونُطمئن أهل الصّدق من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونخصّ بالذّكر شيوخ الأمة وقادة الجهاد في أرض الأفغان وباكستان وجزيرة العرب وأرض الصومال والمغرب الإسلامي والشام، ولا ننسى قرّة العين في أرض القوقاز العزيزة الأبيّة، وكذا في الفليبين وإندونيسيا ونيجيريا .."
نطمئنهم بأن إمارة الدّولة الإسلامية في العراق بإذن الله قد صارت إلى أيدٍ قويّة أمينة، واُحكم بفضل الله أمرها، ولن يؤتى الإسلام بإذن الله من قِبلنا، فقد تحسّب الشيخان رحمهما الله ومجلس شورى الدّولة لهذا اليوم جيداً، وأعدّوا له عدّته وحسموا من قبلُ أمره، وكيف لا، والشّيخان ما مرّت عليهما ساعة إلا وهما في مواجهة الموت والحزام النّاسف لا يفارق خاصرتيهما.
وإنّنا في هذا الوقت نذكّر إخوة الدّين وأنصار الدّولة الإسلامية في كلّ مكان من الذين تعلّقت قلوبهم بالشّيخين، ونبشّرهم؛ بأن قتل القادة وسقوطهم في سوح النّزال من لوازم الجهاد وسُنن الله في عباده، كما نحسبُ يقيناً أنّه علامة على صواب المنهج، وصدق السائرين على الدّرب، مثلما أن دماء هؤلاء سببٌ من أسباب البركة والتمكين والفتح من ربّ العالمين، فوالله ما ترجّل لنا فارسٌ في هذه المعركة إلا فتح الله بدمائه علينا من الفُتوح ما لم يكن في الحُسبان، فبركةُ جهادنا بدماء قادتنا.
فاثبتوا إخوة التوحيد على ما أنتم فيه من الخير في نُصرة دين الله وأوليائه، وامضوا على ما قُتل عليه الشيخان، واجعلوا من دماء الأميرين نوراً وناراً ... نوراً يضيء لكم الدرب ويهوّن عليكم الخطب، وناراً على أعداء الملّة والدين، (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
وتذكّروا أنّ لكم هنا في دولة الإسلام إخوة كسروا أجفان سيوفهم، وهجروا الأهل والمسكن ولذيذ العيشِ ولسان حالهم ما قاله سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه حين قيل له: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك! فقال: (بئس حامل القرآن أنا إن اُتيتم من قبلي) ."اهـ"
نعم والله، فنعم الإخوة أنتم .. ولا أصدق من قول الشاعر فيكم:
إِذا سَيدٌ مِنَّا مَضَى قَامَ سَيِّدٌ *** قَؤولٌ بِمَا قَالَ الكِرام فَعولُ
أو قول الآخر:
وإِنِّي مِن القَوْمِ الَّذِينَ هُمُ هُمُ *** إِذا ماتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهْ
نُجُومُ سَماءٍ، كُلَّما غابَ كَوْكَبٌ *** بَدا كَوْكَبٌ تَاوِي إِليهِ كَواكِبُهْ
فلا يفرح الأعداء، بمقتل هؤلاء الشهداء، فإنه كما قال الشيخ سيد قطب رحمه الله:"إنهم قتلوا في ظاهر الأمر، وحسبما ترى العين. ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة .. إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد. وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع .. وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعلية مؤثرة، والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد، وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد. فهم ما يزالون عنصراً فعالاً دافعاً مؤثراً في تكييف الحياة وتوجيهها ..".اهـ [في ظلال القرآن 1/ 143] .
وخروج الهالكي على الشاشات بعد الواقعة الباقعة، شبيه -بلا تشبيه- بموقف أبي سفيان بن حرب يوم أحد؛ فلقد أخرج البخاري في صحيحه أنه بعد انتهاء المعركة جاء أبو سفيان،"فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت أحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوؤك. قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: اعل هبل .. اعل هبل .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟) . قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: (قولوا: الله أعلى وأجل) . قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟) . قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: (قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) ."
ونحن اليوم نمتثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فحينما قال الهالكي -بلسان حاله ومقاله- عن الشيخين رحمهما الله:"أما هؤلاء فقد قتلوا"فنحن نجيبه: (قد بقي لك ما يسوؤك) .
وحينما قال الهالكي -بلسان حاله ومقاله-:"أعل دستور .. أعل قانون". فنحن نجيبه ونقول: (شرع الله أعلى وأجل) .
وحينما قال الهالكي -بلسان حاله ومقاله-:"إن لنا أمريكا ولا أمريكا لكم". فنحن نجيبه ونقول: (الله مولانا ولا مولى لكم) .
ثم على ماذا أو بماذا يفرح الأعداء؟! أبقتل الشيخين وهما هما من يسعى للفداء؟! فإنه ليس بمستغرب أن يُقتل الشيخان، ولكن المستغرب أن يُؤسر الشيخان!
فهلا استطاعت حكومة الهالكي أسرهما إن كانت تدعي القوة، ألا قبح الله وجوهاً لا حياء فيها ولا مروءة! وكما جاء في الحديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحِ فافعل ما شئت) [أخرجه البخاري] .
فكيف -بالله- يُؤسر أمير المؤمنين رحمه الله وهو من يقول لجنوده وعلى رأسهم وزير حربه رحمه الله:"واجعلوا أجسادكم قنابل متحركة، وإياكم أن أرى منكم أسيراً في أيدي المحتل وأعوانه، فلم تخلقوا للذل ولا للقهر".اهـ أفتراه يحذر رعيته ويخالفهم إلى ما ينهاهم عنه؟! أفتراه يحذرهم من أن يراهم في الأسر، ثم يرونه هم في الأسر؟! هيهات .. هيهات ..
إنَّ على كلِّ رئيسٍ حَقاً *** أنْ يَخْضِبَ القَناةَ أو تنْدَقَّا
وكيف -بالله- يفر وزير الحرب رحمه الله وهو من يقول:"وأعجب العجب أن بعض أمراء الجهاد، إذا جد الجد، ودهم العدو منطقته، وبدأ القتل يستعر في جنوده، ذهب واختبأ ولم يتصل بأحد من جنوده، وغير اسمه، وربما رسمه؛ بحجة الحفاظ على القيادة الراشدة!".اهـ أفتراه بعد ذلك ينجو بنفسه دون أميره؟! هيهات .. هيهات ..
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد *** لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا *** ولكن على أقدامنا تقطر الدما
ولما قال الروم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:"اذهب إلى أصحابك، إنا لنرجوا أن نقرنكم في الحبال".
قال معاذ رضي الله عنه:"أما الحبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا، أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون".. ثم انصرف.
جاء في بيان دولة العراق الإسلامية قولهم:"أما تفاصيل الواقعة فقد كذب والله فيها من اتّخذ الكذبَ ديناً، وتنازع الصليبيون وأذنابهم صياغة الخبر ونسبة النّصر إلى نفسه، وحقيقة الأمر:"
أنّ أمير المؤمنين رحمه الله كان قد وصل إحدى المضافات في تلك المنطقة يستقبل زواراً لحسم بعض شؤون الدولة، وحضر اللّقاء وزيره الأول أبو حمزة المهاجر، ولمّا وصلت القوة المهاجمة اشتبكت معها مفرزة الحماية وأجبرتهم على الانسحاب، فما تجرؤا على دخول المنطقة، ولم تطأ أرجلهم الموقع إلا بعد أن قصف الجبناء عدة أهداف بينها ذلك المنزل بالطائرات، وتأكدوا من تدميرها بالكامل وقتل من كان فيها، ثمّ تفاجئوا بوجود الشيخين رحمهما الله، وهذا ديدنهم، فإنّهم أخسّ وأحقرُ من أن يواجهوا أهل التوحيد كالرّجال، فكيف بالشّيخ الهُمام أمير المؤمنين القريشي البغدادي وأسد الإسلام أبي حمزة المهاجر؟!".اهـ"
وهذه الواقعة العظيمة، تُطيف بنا وتُوقفنا -ولا بد- على ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري -جد عاصم بن عمر بن الخطاب-، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة -وهو بين عُسفان ومكة- ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم قريباً من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَدفَدٍ، وأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا. قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة .. ) .
معشرٌ قَطَّوْا نُحوبَهمُ *** كلُّ ما قد قَدَّموا حَسنُ
صبروا عند السُّيوف فلم *** يَنْكلُوا عنها ولا جَبُنُوا
فِتيةٌ باعوا نفوسَهم *** لا وربِّ البيتِ ما غُبِنُوا
فأصاب القومُ ما طلبوا *** مِنَّةً ما بعدها مِنَنُ
وأخيراً: قال الإمام ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عديّ ابن النجار. قال:"انتهى أنس بن النضر -عم أنس بن مالك-؛ إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار -أي يوم أحد-، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يُجلسُكم؟! قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فماذا تصنعونَ بالحياة بعدهُ؟! فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قُتل ..".اهـ
قال الإمام ابن إسحاق رحمه الله:"فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال:"لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذٍ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه".اهـ [السيرة لابن هشام 3/ 76] ."
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه -أي في أنس بن النضر- وفي أشباهه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ".
وإني لأحسب أن رجال دولة العراق الإسلامية من أشباهه -نحسبهم والله حسيبهم-، فإليهم أقول:"ماذا تصنعونَ بالحياة بعدهُ؟! فموتوا على ما مات عليه ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ولا تنسوا كلمات الأمير لكم:"فالعزم العزم، والشدة الشدة على أعداء الله، فخخوا البيوت، ولغموا الطرق والقناطر والجسور، وانشروا القناصين في البساتين وأعلى المرتفعات ..".اهـ
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري
في عصر يوم الأحد
11/ 5/1431هـ - 25/ 4/2010م