فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 3505

وكان اجتهادُ الإخوة نسْف البيتِ بمن فيه من أمريكانٍ وعملاءٍ ومعدات ومستندات، وجهّز الإخوة لذلك سيّارة مفخّخة، وكان الهدف وحسْب الاستطلاع يأتي إلى البيت تقريباً يومياً ويجلس ساعةً واحدة في البيت وينصرف، ويكون ذلك حسْبَ مِزاجه فليس له ميعادٌ معين على الأرجح.

فتهيّأ أبو خالدٍ، وتهيّأ معه إخوانُه مجموعة الرّصد، وذهبْنا في اليوم المحدّد، وانتظرنا الهدف من السّاعة الثّامنة صباحاً وحتى الخامسة عصراً، آخرُ موعدٍ لمجيئه ولكنّه لم يأت. ذهبنا في اليوم الثاني ونفسُ الأمر لم يأتِ، فقررْتُ توقيف العمليّة حتى حين، لكن جاءت الأوامرُ بالاستمرار في المُتابعة والتربّص بالهدف، وفي حالة جاهزيّة كاملة، بمعنى أن يبقى الأخُ الاستشهاديّ ومجموعةُ الرّصد والسيّارة في مِنْطقة الهدَف من الساعة الثّامنة صباحاً وحتى الخامسة عصراً، وبالفِعْل ذهبنا في اليوم الثالث وانتظرنا ولم يأتِ الهدف، ورأيتُ أبا خالد قدْ بدا عليه التّعب، وكنتُ أتألمّ جداً وأتعجّب من صبْره وجلَده.

فالرجُل ينتظرُ في أيةِ لحظة تأتي مجموعةُ الرّصد وتقول له: بسم الله انطلقْ، فهو في كل لحظة يعيشُ مع الموت وهذا شديد. حتى نحنُ مجموعة التّرصّد تعِبْنا من الانتظار، لا لشيء إلاّ لأننا في حالة جاهزيةٍ قُصْوى وشدّ أعصابٍ وانتباهٍ كامل، نسألُ الله الأجْرَ والثّواب. وفي نهاية اليوم الثّالث تذكّرْت قوْلَ النّبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"رباطُ يومٍ وليلة خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامُه، وإنْ مات جَرى عليه عَملُه الذي يعمله، وأُجْري عليه رزْقه، وأمِنَ الفتّان".

فذهبتُ إلى أبي خالدٍ قائلاً: يا أبا خالد؛ أبْشِر، أبى الله إلاّ أن يرزُقك أجْر الرّباط وأجْر الشّهادة، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ... ، وذكرْتُ له الحديث، فوالله لقَد رأيتُ البِشْر يطيرُ من وجه الرّجُل ويتهلّل كأنما سُقْت إليه كنزاً مفقوداً، وفرِح بالحديث جداً، مع أنّ الرّجل كان يُعلّمه ويحفّظه، لكنّني ذكّرته به في موضعٍ هو في أمسِّ الحاجة إليه. ولهذا شرّع الله النّصيحة للعالِم والمتعلّم قال تعالى {وذكِّر فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين} فذكّر غيرُ علّم.

وبعد أسبوعٍ من المراقبة علِمْنا أنّ الهدف لم يعُد يأت، وغيَّر مكانه إلى موضعٍ مجهول ولله الحمدُ المنّة على كل حال.

تمَّ تغييرُ الهدف، وقد تمَّ رصدُ أول مركز شُرطة يُضرَب في العراق، وكان بؤرةَ فسادٍ وإفساد، حيثُ يوجد في منطقةٍ تشتهرُ بسَبِّ أمّنا عائشة رضي الله عنها جهاراًَ نهاراً، ناهيك عن الشّيخين أبي بكرٍ وعُمر رضي الله عنهما.

وكان ذلك مركزَ شُرطة مدينة الصّدر، والموجود بحي جميلة فتمَّ رصدُ أكثرَ مِن مائة وخمسين حقيراً، ينتظمونَ في طوابير في ساحة المرْكز السّاعة الثّامنة صباحاً، وتمَّ تحديد يوم الخميس للتنفيذ، فجاء لي أحدُ الإخوة يقول أَجِّل الموضوع ليوم السبت، لأنَّ يوم الخميس يكون العددُ قليلاً، وكانَ ذلك بحِضور أبي خالد فقلتُ للأخ"لقد عزِمْنا على أمرِ والله يرزقنا، ثمَّ إنّ الغزو يوم الخميس جاء به أثرْ". وبالفعل ذهبْنا للهدف، وقبْل اقتراب السّيارة من الهدف، ذهبْت لأتأكد من عدد الموجودين منه، فوجدتُ العدوّ ضِعْفَ ما كان عليه، وأنّهم اجتمعوا في هذا اليوم لقبْضِ الرّواتب، وكُنت قلتُ لأبي خالد"إذا وصلْتَ انتظِر حتى آتي إليك وأقول ادخل"، فكأنّه لم يفْهم عليّ، وبينما أنا أمام مركزِ الرّدة، إذ بمُرافقي من الإخوة يشيرُ إلي ويجري نحوي"تعال تعال"، حتى لقد لفَت إلينا الانتباه.

فجئت إليه أقول"مالَكَ فضَحْتنا"فقال:"الأخُ أمامك ذاهبٌ الى المركز اُنْظر"، فوجدتُ أبا خالد انطلق نحو المركز بهدوئه المُعتاد، وكأنّه في نزهةٍ مع أهله وأولاده، فلمّا رآني أمام المركز ذهَبَ ودارَ دورةً كبيرة ثم عاد إليه، وكنتُ قد رأيته متجهاً نحو الباب بادئ الأمر، فلمّا ذهبْتُ بعيداً لم أسمع الصّوت، فأصابني همٌ وغمٌ كبيرين لا يعلمُ بهما إلاّ الله، وكان يقودُ السّيارة، الفارسُ المجهول والبطلُ الصّنديد سابقُ الذّكر، فخشِينا، أن تكونَ السّيارة لم تنفجر، أو أنَّ الأخ قُتِل قبل التنفيذ أو قُبِضَ عليه أو ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت