{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} وإن من سُنَّة الله تعالى أن يبتلي عباده ليتميز الصادقُ من الكاذب , والمؤمنُ من المنافق كما قال تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
وطريقُ الجهاد طريقٌ مفروشٌ بالأشواك ومليء بالعقبات وضرائبه باهظة , ولكن تلك التكاليف تتلاشى أهوالها وآلامها حين يرى المجاهد آخرَ الطريق وثمرةَ الصبر الدؤوب , فآخر هذا الطريق إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة , وآخر هذا الطريق التمكين للمؤمنين في الدنيا والفوز بالجنات وعالي الدرجات في الآخرة , كما قال تعالى: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
والبلاء الذي ينزل بأهل الجهاد أصناف وألوان , فيجب على المجاهد أن يوطن نفسه على كل بلاء , ويستعين بالله في الشدة والرخاء , ويصبر ويحتسب فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب , ومن البلاء الذي لا يكاد ينفك عنه الجهاد وجود المخذلين والمثبطين والساعين بالفساد بين المجاهدين , ولكن كل ذلك الكيد يذهب أدراج الرياح أمام ثبات المجاهدين الصادقين وتوكلهم على رب العالمين وتيقظهم لمكر الماكرين.
ومن البلاء الذي لا يكاد يخلو منه زمان وجود الذين يتزيون بزي المسلمين وهم في الحقيقة ذئاب ماكرة تتجسس على عورات المسلمين ليقتلوا خيارهم ويكسروا شوكتهم وتعلو كلمة الكافرين , فلا يهولنكم شأنهم فإن الله تكفل بالدفاع عن المؤمنين , قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} , وعن ابن عمر رضي الله عنه قال:"صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته , و من تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله", فإذا كان الذي يتتبع عورة مسلم يفضحه الله تعالى فكيف بمن يتتبع عورة المسلمين لتكون كلمة الذين كفروا هي العليا وكلمة الله هي السفلى؟ والذي يجب علينا هو الأخذ بالأسباب , ومن هذه الأسباب الاحتياط والحذر وأن نفتح عيوننا في الليل والنهار حتى نفوت الفرصة على الماكرين ولا نفجع بقتلنا إخواننا المسلمين , وينبغي أن نستحضر أننا المدافعون عن الإسلام والمسلمين فلا يؤتين من قبلنا , وقبل ذلك يجب أن نستمد العون من الله تعالى ونتضرع إليه بأن يكفينا شرهم ويهتك سترهم , ومن ذلك القنوت عليهم في الصلوات , واعلم أخي المجاهد أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله تعالى لا بحفظ الناس ولو كان هذا الدين يحفظ بحفظ الناس لذهب بذهاب خير الناس وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم , فالحق لا يموت بموت قادته أو قتلهم أو تركهم له فالدين دين الله والله حي لا يموت سبحانه وتعالى , فلا يضر أهل الحق ذهاب قادته أو قلة الحاملين له , ومن ترك الحق لذهاب أصحابه فلا يضر إلا نفسه , نسأل الله العافية."
ولهذا قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} , ولذلك فأهل الحق يزداد ثباتهم وتمسكهم بالحق عند فقد القادة وقلة الثابتين , كما حصل في غزوة أحد لما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل , فمر رجل من المهاجرين على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ , فقال الأنصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلَّغ فقاتلوا عن دينكم , فنزل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} , ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر:"أما بعد من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات , ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت , قال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قوله "