{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قوله {وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} ", وعن ابن عباس أن علياً كان يقول في حياة رسول الله:"أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله , والله لإن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت , والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني؟"."
وأهل الحق يزداد صبرهم وثباتهم كلما اشتد عليهم البلاء وأثخنتهم الجراح كما مدح تعالى الأنبياء وأصحابهم لما صبروا وثبتوا برغم القتل والجراح فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} , وكما مدح الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في غزوة حمراء الأسد برغم الجراح والهزيمة التي أصابتهم فقال تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
وأهل الحق يزدادون ثباتاً وتوكلاً على الله تعالى كلما خوّفهم الناس بالعدة والعدد كما قال تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} , وأهل الحق يزيدهم البلاء تصديقاً وإيماناً بالله تعالى وموعوده ويجعلون البلاء دليلاً على حصول النصر وقربه , كما قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} , قال ابن كثير رحمه الله:"قال ابن عباس وقتادة يعنون قوله تعالى في سورة البقرة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب ولهذا قال: {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} "ا. هـ رحمه الله.
فأهل الحق أوتاد لا يزيدهم الطَّرْقُ ولا الضغط إلا ثباتاً ورسوخاً , والشدة لا تزيدهم إلا شدة , والبلاء لهم دواء, والمحنة لهم منحة , وليست النجاة في أن يلقي الناس بأيديهم إذا اشتد البلاء وادلهمت الخطوب , كلا , بل هو الهلاك بعينه والذل والصغار , ولكن النجاة في الصبر والثبات كما قال تعالى عن الأنبياء وأصحابهم لما صبروا وثبتوا: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} , وقال عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما صبروا وتوكلوا عليه: {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} , وقد ترسخ في قلوب الموقنين وصدور الموحدين أنه لا أحد يملك النصر إلا الله تعالى كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} , فالنصر بيد الله تعالى وحده , والعبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً , فالمتوجب عليه أن ينشغل بالأسباب التي تستجلب نصر الله تعالى , فهذا هو الذي يستطيعه ويكلف به , و من هذه الأسباب دعاء الله تعالى والالتجاء إليه بتضرع وإلحاح , مستشعرين فقرنا وضعفنا وحاجتنا إليه , فوالله لإن لم يُعنا الله تعالى فلن نجد من دونه ولياً ولا نصيراً , فالدعاء من أقوى الأسلحة التي نرمي بها عدونا , كما قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} , ومن هذه الأسباب الصبر , قال تعالى: {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} , وقال تعالى: {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} , وقال تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} , قال الطبري رحمه الله في قوله تعالى {وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} :"يعني والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من"