فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 253

(لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يُعطي الناس بدعواهم لادَّعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدَّعون في الشهود فقيل لا نثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة وقيل لا نقبل العدالة إلا بتزكية {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} فتأخر أكثر المدَّعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المتحابين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فـ {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر ثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع فرأوا من الخسران البيِّن والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمنٍ بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء.

فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاءً واختيارًا من غير ثبوت خيار وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} لم نبتغ منكم بنفوسكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.

فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفق لتكميل العقد وقبل المبيع على عيبه وأعاض عليه أجل الأثمان واشترى عبده من نفسه بماله وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد وهو الذي وفقه له وشاءه منه) [1] .

فهيَّا أخا التوحيد هيَّا .. انهض معنا بالأمانة .. وجاهد في سبيل الله كل كافرٍ وطاغوت ... جاهد أيها الحبيب فالجهاد ذروة سنام دينك وفي تركه الذلة والصغار كما قال صلى الله عليه وسلم (وما ترك قوم الجهاد إلا ذلُّو)

جاهد أيها الحبيب فالجهاد هو الطريق الوحيد لعودة أمتك إلى عزتها كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا يرفعه حتى تعودوا لدينكم) والدين هنا هو الجهاد كما هو ظاهر من سياق الحديث.

أما أيها الأخ الحبيب. إذا قيل لك .. اصبر، فاعلم أن الصبر على الذل والخزي والعار لا يرضاه الله للمسلمين {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} .

وإذا قيل لك أن الجهاد فتنة فقل له ما قاله الله لأمثاله {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} وكيف يكون الجهاد فتنة وبه تزال كل فتنة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} .

وإذا قيل لك: إن الجهاد موت فقل له: ما جاهدت إلا لأموت. والموت في الجهاد شهادة في سبيل الله وهذا ما نطلب {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} وإن قيل لك كيف تجاهد وليس للمسلمين خليفة أو إمام أو دولة فقل له ما قاله ابن قدامة لأمثاله (فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره) [2] وقال رحمه الله (الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة وقوة) [3] ونحسب أن الجهاد اليوم له طائفة قوية منيعة بإذن الله.

(1) 548 - زاد المعاد 2/ 60

(2) 549 - المغني 8/ 353

(3) 550 - المغني 8/ 469

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت