فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 253

ولابد هنا من توضيح مسألة هامة فربما يحدث الخلل لما تقدم من وصف ولكن بعض هذه الصفات المتقدمة تنتج عن الإفراط في العلاقات الأخوية التي ينبغي ألا يكون فيها إفراط ولا تفريط بل باتزانٍ تام , فالأخوًّة هي الرابطة التي تربط بين القلوب وتشدنا لبعضنا وهي أوثق عرى الإيمان كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) [1] ولا ينبغي لهذه المحبة في الله أن تبلغ إلى درجة الإفراط , لأنها إن وصلت الإفراط فقدت الضوابط الشرعية ووقع بقصد أو بدون قصد ما لم يكن في الحسبان مما لا يرضي الله تعالى.

ألا فاتقوا الله يا إخواننا , اتقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم , والنصح النصح , وقيدوا أنفسكم بتعاليم شرعكم ففيها النجاة , ولسنا بصدد التفصيل في هذه العيوب التي توجد في بعض المواقع فكلنا يعرف ما يترتب عليها من نتائج ويعرف ماهيِّتها كذلك وإنما نوَّهنا هنا لخطورة المسألة التي تعلمون.

وعليه فيجب ألا يكون التكليف بناءً على مودة أو قرابة أو علاقة دعوية سابقة , وألا يكون الذم في الشخص أثناء عملية التقويم من أجل استبعاده أو مخالفته له في الرأي أو لحسدٍ وبغضٍ طارئ أو لعيبٍ في أحد خاصته أو أقاربه مهما يكن العيب , فلا تزر وازرة وزر أخرى , كما يجب التذكر أن ذمة الله ورسوله تبرآن ممَّن رشَّح أحدًا لمهمة وهو يرى غيره في الجماعة أصلح لها منه , وليكون على حذرٍ عظيم ألا يكون عمله لإثبات قدرته على حسن الرأي والتدبير أو كنوع من إثبات ذاته أو سدًا لفراغ معين أيًا يكن المكان الفارغ وأيًا يكن المكلَّف.

نقول وبالله التوفيق وختامًا لهذا الموضوع أن التكليف بالمناصب والمواقع والمهام المختلفة حق ثابت للمجاهد في المجال الذي هو أهل له , على ألا يسيطر الطمع على من لا يجد في نفسه الكفاءة والقدرة لمنصبٍ أو مهمةٍ ما , بل أن يترك الأمر لمن هو أكفأ منه وأقدر , وأن يسعى بالدراسة والتعلم لإيجاد الكفاءة في نفسه , واعلم أخا التوحيد أن الطمع آفة خطيرة يسعى الطامع من خلاله إلى الطرق الملتوية وغير المشرعة للحصول على المكانة والمنصب رغم أن المكانة أيًا تكن لا تستحق ما يبذل في سبيلها من حرصٍ وطمعٍ وشقاق فليتقِ الله ربه من كان كذلك , وليعلم أن الإنسان في طلبه الارتقاء بطريق غير مشروع لا يزال في نزولٍ وسفال , فآدم عليه السلام عندما طلب الفاكهة التي نهاه الله عنها من طريقها المشروع بمخالفته لأمر الله تعالى وعندما أراد الرفعة بالخلود في الجنة - وهو فيها فعلا - مستجيبًا بذلك لغواية الشيطان وكيده وكذبه الذي قال له {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} [2] وبعدما نسي آدم نهي ربه له عن تلك الشجرة ماذا فعل الله به؟ لقد أنزله الله سبحانه إلى الأرض ولكنه تاب عليه وهداه بفعل ندمه وتوبته وكلماته التي قالها مع حواء {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [3] , أرجو أن يكون قد حصل المطلوب وتحقق المقصود , وأن يهدينا سبحانه إلى سواء السبيل , وأن يطهر قلوبنا من الأمراض والعيوب والأدران , إنه الرحيم المنّان.

(وقد جعلناه الأخير في باب الحقوق)

(1) 394 - رواه أحمد

(2) 395 - طه 120

(3) 396 - الأعراف 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت