السنة أن يدفن الشهيد في المكان الذي قتل فيه. فعن جابرٍ قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا. فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رُدُّوا القتلى إلى مضاجعهم) [1] .
وفي سنن النسائي عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا قد نقلوا إلى المدينة)
وفي رواية له عن جابر أيضًا (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ادفنوا القتلى في مصارعهم) [2] .
وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالإتباع. يقول ابن القيم (السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر) [3] .
ولا بأس من نقل الشهيد لغرضٍ صحيح كأن تكون ساحة القتال لا تصلح للدفن مثل أن يقتل فوق البيوت أو في طرقات المدينة. وينقل إلى أقرب مكان من ساحة القتال يصلح للدفن. وقد قتل رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الطائف عند باب (بني سالم) فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر أن يدفنا حيث قتلا فاحتملا من حيث أصيبا فوافقهم ذلك مقبرة عند (بني هلال) فدفنا فيها [4] .
وشهيد البحر ينقل إلى البر إلا إذا كان الوصول للبر صعبًا وخيف على الجثة من الفساد فلا بأس من إلقائها في البحر بحيث تغوص في أعماقه [5] .
ولا يشترط دفن الشهيد في مكان سقوطه تحديدًا. بل يدفن في مكان صالح من ساحة القتال بدليل أنه كان يدفن الشهيدان والثلاثة من شهداء أحد في قبر واحد وقد تكون مصارع هؤلاء الشهداء متباعدة عن بعضها فينقل بعضهم إلى بعض ليدفنوا في مكان واحد في نفس الساحة [6] .
الصحيح أنه يجوز ذلك عند الضرورة مع تقديم الأكثر قرآنًا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد (احضروا واعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد(ثم قال) قدموا الأكثر قرآنًا) [7] .
وقد عمل الصحابة بهذا الحكم في مؤتة فقد ورد أنهم دفنوا القادة الثلاثة: زيد وجعفر وعبد الله في حفرة واحدة [8] .
وقد سئل الإمام أحمد عن الشهداء يكثرون في دار الحرب زمن الفتوحات كيف يُصنع في دفنهم؟ فأجاب (يحفر شبه نهر رأس هذا عند رجل هذا ويجعل بينهما حاجزًا لا يلتزق واحدٌ بالآخر) [9] .
المسألة السادسة: الجهاد لإعلاء كلمة الله
(1) صححه الألباني صحيح سنن الترمذي 2/ 142.
(2) صححه الألباني صحيح سنن النسائي.
(3) زاد المعاد 3/ 214.
(4) رواه النسائي.
(5) المغني 2/ 381.
(6) الجهاد والقتال 2/ 1227.
(7) صححه الألباني صحيح سنن النسائي.
(8) الجهاد والقتال 2/ 1231.
(9) المغني 2/ 422.