اعلم وفقك الله للحق أن حكم للمرتد أشد من حكم الكافر الأصلي لأن من أسلم وعرف حقيقة هذا الدين وعرف حقيقته وعدله وأثره على النفس والحياة ثم انقلب عنه بغضًا وكرهًا لما أنزل الله واستبدل حكم الله تعالى بنظريات وقوانين كفرية شيطانية، فإن هذا المرتد يستحق أن يكون الحكم شديدًا في حقه بخلاف الكافر الأصلي فإنه لا يعرف لماذا يقاتل الناس وعلى أي شيء يقاتلهم؟ بل يساق إلى الحرب سوقًا. ولذلك تجد الكثير من الكفار الأصليين يدخلون في دين الله أفواجًا بمجرد انتهاء الحرب بعدما رأوا من عدل الإسلام وصحته وصدق حامليه.
أما المرتد وقد ضعف أمام شهوته وشيطانه وسقط في مستنقع الكفر الآسن طواعيةً واختيارًا فإنه ينقم على المسلمين طهرهم وعفافهم وإيمانهم ويحس نفسه حقيرًا وضيعًا ذليلًا أمامهم وقد استمسكوا بآيات ربهم فيحقد عليهم ويسعى للانتقام منهم والعمل على سحقهم لكي لا يتذكر ضعفه ونجسه كلما نظر إليهم.
ولذلك كانت عقوبة المرتد أشد من عقوبة الكافر الأصلي، ونسوق لك طائفة من أقوال العلماء في هذه المسألة وكيف فرقوا بين المرتد والكافر الأصلي في حكم كل منهما ..
قال ابن تيمية (وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة منها أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ذمة بخلاف الكافر الأصلي. ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال. بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام) [1] .
وقال الغزالي عن الزنادقة الباطنية (أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتحير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: المن والفداء والاسترقاق والقتل، ولا يتخير في حق المرتد بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم هذا حكم الذي يُحكم بكفرهم من الباطنية وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم بل نغتالهم ونسفك دماءهم فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم) [2] .
والكافر الأصلي تجوز مصالحته وموادعته بخلاف المرتد.
قال الشافعي (إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفة منهم لبعد دارهم أو كثرة عددهم أو خلة بالمسلمين أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين وإن أعطاهم المشركون شيئًا قل أو كثر كان لهم أخذه) [3] .
(1) الفتاوي 28/ 532.
(2) فضائح الباطنية 95.
(3) الأم 4/ 186.