وقال رحمه الله (كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف) [1] .
وقد أجمع الفقهاء على نسخ المنع من القتال بإيجابه. ونقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم.
قال الجصاص عند تفسيره لقوله تعالى {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} ] النساء-90 [قال رحمه الله (ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في خطره فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه كما ذكرنا) [2] .
وقال الطبري عند تفسير قوله تعالى {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ} ] الجاثية-14 [قال رحمه الله (وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين. وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك) [3] .
قال الشوكاني رحمه الله (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية. وما ورد من موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) [4] .
واعلم أخانا أن نسخ العفو والصفح والموادعة والإعراض والمسالمة بآية السيف لا يعني عندنا بحالٍ من الأحوال منع الدعوة أو إكراه الناس على الدخول في الإسلام، بل الدعوة والجدال بالتي هي أحسن باقيتان والحمد لله، وإنما المنسوخ هو الاقتصار عليهما والاقتصار على جهاد الدفع كذلك.
يقول ابن تيمية (فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجَّة للكفار منسوخة بآية السيف لاعتقاد أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط، فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس. ومناقضة قوله لهم"كفوا أيديكم عن القتال"لقوله"قاتلوهم"، كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ]النساء-77 [، فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم، فأما قوله {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ] النحل-125 [، وقوله {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ] العنكبوت-46 [فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة) [5] .
(1) التجبير في علم التفسير 432.
(2) أحكام القرآن 2/ 222.
(3) تفسير الطبري 25/ 144.
(4) السيل الجرار 4/ 518.
(5) الجواب الصحيح 1/ 66.