نختم إن شاء الله هذا الفصل بهذا النص من كتاب"الياقوت والمرجان"والجامع لأحكام إنكار المنكر على اختلاف الأحوال. يقول الشيخ عبد اللطيف آل موسى (الأصل في إنكار المنكر أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض بحيث يتحقق المقصود سقط الطلب عن الباقين بدليل قوله {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [1] . هذا ويصبح تغيير المنكر فرض عين على من يشاهد المنكر من القادرين على إزالته بشرط ألا يخافوا من الاعتداء على حرماتهم الخاصة وألا يترتب على إنكارهم مفسدة أكبر من مفسدة المنكر الواقع أمامهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم(ما من رجلٍ يكون في قوم يعمل فيهم المعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقابٍ قبل أن يموتوا) [2] . وأما إذا لم يترتب على الإنكار وقوع مفاسد من منكرات أخرى تضاف للمنكر الواقع، ولكن ترتب على هذا الإنكار إيقاع الأذى والضرر على أشخاص المنكرين كما هي عادة أصحاب الفسق والفجور بقصد التشفي من المصلحين أو ردعهم عن القيام بواجب الإنكار، وزجر غيرهم عن السير في الطريق نفسه ليخلو الجو في البلاد للانحراف والمنحرفين. أقول .. إذا ترتب إيقاع الأذى على أشخاص المنكرين فحسب دون أن يتعداهم إلى غيرهم من أقارب وأصحاب ومواطنين آخرين فإن الإنكار في هذه الحالة يكون مندوبًا. وإذا راحوا ضحية هذا الإنكار فهم من شهداء الآخرة وينطبق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (ومن قتل دون دينه فهو شهيد) [3] فإثبات الشهادة لمن يقتل وهو يقوم بالإنكار من أجل الدين دليل على مشروعية العمل الذي يقوم به ومثوبته عند الله، وأما إذا ترتب على إنكار المنكر إيقاع الأذى البليغ على المنكرين وعلى غيرهم من أقارب وأصحاب ومواطنين آخرين، فإذا كان الآخرون الذين سيقع عليهم الضرر راضين بوقوع هذا الضرر وفدوا دينهم بأنفسهم أو بمصالحهم فالإنكار حينئذٍ مندوب وإذا وصل الضرر إلى حد القتل فهم من شهداء الآخرة وينطبق عليهم الحديث السابق. وأما إذا لم يرضوا بإيقاع الضرر عليهم من جراء إنكار المنكر فحينئذٍ يحرم الإنكار لأن إيذاء المسلمين محذور) [4] ... وصلَّى الله وسلم على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
(1) 213 - آل عمران 104
(2) 214 - حسنه الألباني في"صحيح سنن أبي داوود"3646
(3) 215 - سبق تخريجه
(4) 216 - الياقوت والمرجان 544 - 545