وآية السيف التي نزلت في هذه المرحلة نسخت ما قبلها من آيات الموادعة والعفو والصفح في القرآن الكريم، وقد نسخت مائة وأربع عشر آية قبلها [1] .
نص على ذلك أهل العلم من السلف ومن بعدهم. فهذا الإمام الطبري رحمه الله نقل القول بالنسخ عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس عند تفسير قوله تعالى {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} ] البقرة-109 [
قال رحمه الله (فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم حتى تكون كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة أو يؤدوا الجزية عن يدٍ صغارًا) [2] .
وفي تفسير الآية المتقدمة نقل ابن كثير القول بأنها منسوخة بآية السيف عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي. ثم قال رحمه الله (ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ) [3] .
وقال القرطبي عند تفسير آية البقرة المتقدمة (هذه الآية منسوخة بقوله قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ-الآية {عن ابن عباس، وقيل: الناسخ لها} فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ-الآية ) [4] .
وقال ابن تيمية (فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم) [5] .
وقال عن آية السيف (وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله وعلى عهد خلفائه الراشدين وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام) [6] .
ولا نعلم أحدًا من السلف لم يقل بالنسخ. حتى الإمام الزركشي رحمه الله الذي اعتبر أن التغير الذي طرأ على أحكام الجهاد من قبيل زوال الحكم بزوال علته وسمَّاه نسأً وتابعه الحافظ السيوطي في ذلك واعتمد قوله في النسخ.
حتى هذين الإمامين - ولا نعلم أحدًا غيرهما قال بالنسخ- لكل واحدٍ منهما قولًا آخر يقولان فيه بالنسخ موافقة لقول جماهير أهل العلم من السلف والخلف.
يقول الزركشي رحمه الله (ويجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخًا وذلك كقوله"لكم دينكم ولي دين"- نسخها بقوله"فاقتلوا المشركين"ثم نسخ هذه أيضًا بقوله"حتى يعطوا الجزية") [7] .
وقال السيوطي رحمه الله (قوله تعالى"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"هذه آية السيف الناسخة لآيات العفو والصفح والإعراض والمسالمة واستدل بعمومها الجمهور على قتال الترك والحبشة) [8] .
(1) تفسير ابن عطية 6/ 412.
(2) تفسير الطبري 2/ 503.
(3) تفسير ابن كثير 1/ 154.
(4) الجامع لأحكام القرآن.
(5) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/ 66.
(6) الصارم المسلول 221.
(7) البرهان 2/ 31.
(8) الاكليل في استنباط التنزيل 138.