أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية وكان مأمورًا طيلة الفترة المكية بالكف والصفح عن المشركين كما قال تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ] الحجر: 94 [وقوله {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} ] البقرة: 109[وغيرها من الآيات.
وعن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عزٍ ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة. فقال (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا) [1] .
ثم أذن الله تعالى للمسلمين في الهجرة وأذن لهم في القتال دون أن يفرضه عليهم فقال سبحانه {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ] الحج: 39 [وهي أول آية نزلت في القتال كما قال ابن عباس[2] .
ثم فرض الله عليهم القتال لمن قاتلهم والكف عمن اعتزلهم ولم يقاتلهم فقال تعالى سبحانه {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا} ]البقرة: 190[
ثم كانت المرحلة الخاتمة لكل المراحل وفيها فرض الله على المسلمين قتال المشركين كافة من قاتلنا منهم ومن كفَّ عنا حتى يكون الدين كله لله. وهي المرحلة التي استقر عندها حكم الجهاد ومات عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيها نزلت آية السيف وهي قوله تعالى سبحانه {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ]التوبة: 5[
أو آية {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ]التوبة: 36[
وقال سبحانه {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ]التوبة: 29 [
وفي الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم - (اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا-الحديث) [3] .
وقد لخص ابن القيم تلك المراحل بقوله (وكان محرمًا-أي القتال-ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين أو فرض كفاية على المشهور) [4] .
(1) أخرجه النسائي والحاكم وصححه.
(2) رواه النسائي.
(3) رواه مسلم من حديث بريدة.
(4) زاد المعاد.