وقد كان أناس من المسلمين مع المشركين يكثرون سوادهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فقتل بعضهم فأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} ] النساء: 97[.
وهناك القتال تحت الراية العُمِّيَّة كما في الحديث (من قتل تحت راية عُميّة يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية) [1] .
الراية العمية على معنيين عند العلماء:-
1 -الراية التي لا وضوح فيها وينساق المرء فيها كالدابة لا يدرى على أي شيء يقاتل الناس ولا فيما يتقاتلون فهذه الراية لم يستبن المرء أمرها ولم يتحقق من أهدافها.
2 -الراية البينة الضلالة التي لا تقاتل على الإسلام وإنما تقاتل في سبيل الجاهلية والبدع كالتعصب للقبيلة أو الوطن أو الحزب أو القوم وغيرها من المفاهيم الفاسدة دون هدى من كتاب أو سنة.
فالحذر الحذر لأن من قتل تحت هاتين الرايتين كان هالكًا وفي النار. ولا ينبغي للمسلم أن يقاتل إلا من أجل دينه وحتى تكون كلمة الله هي العليا. وقد جاء أعرابيٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى موطنه؟ - وفي رواية - يقاتل شجاعة ويقاتل حمية؟ - وفي رواية - ويقاتل غضبًا، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [2] .
والصحيح أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ثم طلب المغنم قاصدًا من أخذه إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعات له الأجر من الله القائل {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} ] التوبة: 120 [
والمراد النيل المأذون فيه شرعًا وهو لا ينافي الجهاد في سبيل الله. المهم هو الباعث على الجهاد فإن كان لإعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمنًا حتى لو كان الخروج لمجرد نهب أموال المشركين كما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن معه في غزوة بدر لأخذ عير المشركين وهو من الجهاد في سبيل الله لما فيه من إغاظة المشركين وتوهين أمرهم وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (من قتل قتيلًا فله سلبه) قبل القتال ودليل على أنه لا ينافي قصد المغنم القتال في سبيل الله طالما كان أصل القتال حتى تكون كلمة الله هي العليا. بل فيه تحريض للسامع على قتال المشركين.
وقد ورد عن عبد الله بن جحش يوم أحد أنه قال (اللهم ارزقني رجلًا شديدًا أقاتله ويقاتلني ثم ارزقنى عليه الصبر حتى أقتله وآخذ سلبه) [3] وهذا دليل على أن طلب المغنم مع الجهاد ضمنًا كان أمرًا معلومًا جوازه للصحابة فيدعون الله بنيله [4] .
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح.
(4) سبل السلام 4/ 82.