الخلافة اليوم وانتشار الفساد الذي يقوم عليه ويرعاه من لهم شوكة وقوة .. لكننا نؤكد على القضية الأهم وهي وجوب العمل على إقامة التمكين الذي لا تتم هذه الواجبات كلها إلَّا به .. والله المستعان وهو الموفق للخير سبحانه.
على أن هناك حالات يستعمل فيها السلاح لإنكار المنكر دون إذنٍ أو غيره كحالة شروع في منكر لا يمكن تداركه وذلَك قتل رجل يحاول الإعتداء على امرأة فلنا دفعه بالتدريج. فإن استعمل هذا الفاسق سلاحًا لإرتكاب جريمته فلنا أن نستعمل السلاح لدفعه عن المنكر بالقوة ولا حاجة هنا لإذن الدولة لأن المنكر على وشك الوقوع ومحاولة تبليغ السلطات لإستصدار الإذن بالدفع بالقوة عن هذا المنكر المشارف يفوت معه المقصود ويقع المحذور. يقول الغزالي في هذه الحالة لمن رأى منكرًا كهذا: (فيأخذ قوسه ويقول له: خلِّ عنها أو لأرمينّك. فإن لم يخل عنها فله أن يرمي وينبغي ألا يقصد القتل بل الساق والفخذ وما أشبهه فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن) [1] ومعلوم أن الدفاع عن امرأةٍ يُراد الاعتداء عليها هو دفاع عن حرمات الدين. وإن قُتل المنكِر فهو شهيد لقول النبي عليه الصلاة والسلام (ومن قتل دون دينه فهو شهيد) [2] .
أما إذا تم إبلاغ الهيئات المختصة في الدولة لتقوم بواجبها في إزالة منكر كمحل لبيع الخمور أو نادٍ للقمار أو ملهى للرقص والفساد مما يحتاج إلى قوة السلاح ثم قصَّر المسؤولون في الدولة في إزالة هذا المنكر _كما يحصل اليوم _ إما بقوة الدولة أو بإصدار إذن للمنكرين أن يزيلوا هذا المنكر بالقوة يشرع فورًا في هذه الحالة في سحب بساط الشرعية من تحت الحاكم لعجزه عن رعاية الشؤون على حسب أحكام الشرع. لأنه من المعلوم أن الحاكم العاجز عن إقامة حدود الله والضرب على أيدي المفسدين يكون قد أخل بشرط من شروط منحة انعقاد السلطة له ابتداءً واستمرارًا بعد ذلك. فما بالكم بحكامٍ ظلمةٍ لم يخلوا بشرط فحسب بل استبدلوا الشريعة وأحكامها بدساتير وضعية تشجع الكفر والفساد نُقلت عن دساتير الكفار وقوانينهم وكلها مخالفات للشرع والعياذ بالله. يقول تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [3] ومنهم من طبق بعض أحكام الشرع في بعض المجالات وتبنى غيرها في المجالات الأخرى والله تعالى يقول {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [4] . ومنهم من يوالي الدول الكافرة في الاعتداء على المسلمين والموحدين والله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ} [5] ومن يتولى الكافرين فهو كافر مثلهم [6] .
واعلم أخا التوحيد أن هناك فرقًا كبيرًا بين مخالفة الشرعية في أحد الشروط وبين إهدارها بالكلية والعياذ بالله. ولكني لا أحبذ المباشرة في الجهاد ضد هؤلاء الحكام المرتدين قبل أن تكون الدعوة جاهزةً في كافة الجوانب وخاصة الجانب الأمني والعسكري منها وباقي جوانب القوة التي تضمن السيطرة السريعة على الأمور والاستلام الدقيق للمرافق المختلفة. وإلا فربما يحدث مفسدة أعظم من الدماء والشرور والفتن ولربما يضعف هذا من قوة الدعوة بعد ذلك أو يُقضى على البقية الصالحة وتتم سيطرة الحاكم الكافر. والأمثلة على ذلك في واقعنا المعاصر كثيرة.
(1) 207 - إحياء علوم الدين 2/ 230
(2) 208 - صححه الألباني في"صحيح سنن الترمذي"
(3) 209 - المائدة 44
(4) 210 - المائدة 49
(5) 211 - الممتحنة 1
(6) 212 - بتصرف عن كتاب الجهاد والقتال في السياسة الشرعية