الطريق مصورة في تاريخ بني إسرائيل لتكون لها عظة وعبرة ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد الله سبحانه قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مداد التاريخ.
إن هذا القرآن ينبغي أن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي. وينبغي أن يُتدبر على أنه توجيهات حية , تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم ولتنير الطريق إلى المستقبل. لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل , أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود! ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدِّنا , كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها اليومية .. وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد , وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي , سنجد كلماته وعبادته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق , وتقول لنا: هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه. وتقول لنا: هذا عدو لكم وهذا صديق. وتقول لنا: كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة. وتقول لنا حديثًا طويلًا مفصلًا دقيقًا في كل ما يعرض لنا من الشؤون .. وسنجد عندئذٍ في القرآن متاعًا وحياة , وسندرك معنى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} فهي دعوة للحياة الدائمة المتجددة. لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ) [1] اهـ بتصرف يسير.
إن التفسير في اللغة هو البيان والإيضاح وفي الاصطلاح هو بيان معاني القرآن الكريم وأحكامه وألفاظه .. وعلى هذا الأساس فإن التفسير يشمل اللغة والبيان والبلاغة والإعجاز والإعراب وعلوم القراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والأحكام وغيرها من العلوم الملازمة لتفسير القرآن.
وبعيدًا عن نشأة التفسير وتطوره والدخول فيما يشمل من موضوعات فإننا سنوضح مسألة هامة هنا حتى يكون الأخ المجاهد منها على بينة ولأن الموضوعات الأخرى المتقدمة وعلى أهميتها متوفرة والحمد الله يُرجع إليها في مصادرها عند الحاجة. وما سنوضحه هنا هو طرق تفسير القرآن كما بينها ابن تيمية رحمه الله ولكننا قبل ذلك سنذكر أقسام التفسير حيث ينقسم إلى قسمين:-
1 -التفسير بالمأثور .. أي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام , ويسمى التفسير بالرواية لأنه يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن وبما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين في القرون الأولى المفضلة.
2 -التفسير بالرأي .. وهو التفسير الذي يُستنبط بالرأي والاجتهاد وهو على ضربين من حيث قبوله أو رده:-
أ- المقبول .. وهو الذي لا يتعارض مع المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين فأي اجتهاد أو استنباط أو قول أو عمل عندنا يوافق المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وإجماع السلف رحمهم الله نأخذ به وإلا فهو من المردود عندنا وهو الضرب الثاني ...
ب- غير المقبول .. وهو الذي يتعارض مع التفسير بالمأثور الثابت أو إجماع الأئمة أو خالف أصول العقيدة وقواعد الشريعة أو كان صاحبه غير عالم باللغة وبالنصوص الشرعية وأصول التفسير وكان مبتدعًا ومتعصبًا لرأيه. وليعلم كل من كان كذلك أن الخوض في كتاب الله بغير علمٍ يودي بصاحبه إلى النار والمهالك. عن ابن عباسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من قال في القرآن بغير علمٍ فليتبوأ
(1) 33 - في ظلال القرآن 1/ 261