فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 253

عبارة عن خطوات عملية تتبع الجهد الدعوي نفسه من خلال تربية النفس التي تملكها حب الله وخشيته , تربيتها بالتعاليم المنزلة منه سبحانه فيستقيم الإنسان وهو يشعر برقابة الله تعالى في كل وقت وحين إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا .

يقول سيد قطب رحمه الله (ومتى استقرت عقيدة"لا إله إلا الله"في أعماقها الغائرة البعيدة _ أي أعماق النفس _ استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه"لا إله إلا الله"واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام الوحيد الذي ارتضته وهذا هو مقتضى الإيمان .. فقد تلقت النفوس في ما بعد تشريعات الإسلام بالرضا والقبول لا تعترض على شيء منه ولا تتلكأ بتنفيذه مجرد صدوره إليها وتلقيها له , وهكذا أُبطلت الخمر والميسر والربا والعاداتُ الجاهلية كلُها بآياتٍ من القرآن أو كلماتٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وسلطانها وقوتها وإعلامها فلا تستطيع ضبط المخالفات في مجتمعٍ يعُجُّ بالمنكرات والمنهيات) [1] اهـ. بتصرف

اعلموا هداكم الله ورعاكم أن العقيدة هي الأساس المكين الذي ترتكز عليه فروع هذا الدين وهي بمثابة الجذر الثابت من الشجرة الباسقة الأغصان ومن العبث محاولة إشادة بناء ضخم بلا أساس كما أن الشجرة لا تكون باسقة الأغصان والفروع بلا جذعٍ ثابتٍ صلبٍ متين , فلا بد حتى نجني الثمار المرجوة أن نتتبع المنهاج الرباني في بناء هذا الدين للنفس البشرية فنرسخ العقيدة في الأعماق أولًا ثم نطالب النفس بعد ذلك بأوامر الشريعة كلها. يقول الشيخ عبد الله عزَّام في كتابه"العقيدة وأثرها في بناء الجيل"يقول (وعلى هذا فإن كل الانحرافات التي نعانيها في سلوكنا _ أفرادًا وجماعات _ راجعة بكليتها إلى الانحراف والتصور العقدي , فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى بناء العقيدة من جديد وإلى تصحيح التصور الإعتقادي فلا بد من إفراد الله سبحانه بالألوهية ولا بد من أن تحيا القلوب وهي تستشعر هيبته وجلاله) اهـ.

واعلم أخا التوحيد أن القرآن الكريم وهو يخاطب النفس البشرية ويمضي معها في بناء العقيدة الطيب العميق ويستنفذ الثلثين تقريبًا من مجموع آياته في تقرير هذه المبادئ الجليلة والمرتكزات الأصيلة فإنه في الوقت نفسه كتاب الله المسطور بأخلاقه وقوانينه وتشريعاته وموازينه والذي ينبغي أن يقرأ من المجاهدين بوعي وتدبر وفهم عميقٍ سليم حتى نهتدي بهداه ونكون على بينة مما يريده الله منا فيه وصدق الله العظيم إذ يقول {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [2] ويجدر بنا في هذا المقام أن ننقل من الظلال كلام لسيد قطب رحمه الله عن القرآن الكريم حتى ندرك النور العظيم الذي أنزل إلينا ولكنَّ كثيرًا من الناس لا يعلمون وعن القرآن غافلون وللتذكرة مَالين .. يقول رحمه الله (إن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح ومدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها. واعلم أن الله سبحانه كان يربي الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض , وأعد لها هذا الدور العظيم بالقرآن الكريم , ولقد أراد الله تعالى بهذا القرآن أ يكون هو الرائد الحي. الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيادة أجيال الأمة , وتربيتها وإعداده للقيادة الراشدة الذي وعدها به , كلما اهتدت بهديه واستمسكت بعهدها معه واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن , واستعزت به واستعلت على كل المناهج الوضعية الجاهلية.

إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى .. ولكنه دستور شامل .. دستور للتربية , كما أنه دستور للحياة العملية ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها وتضمن بصورة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم عليه السلام وقدمها زادًا للأمة المسلمة في جميع أجيالها تجاربها في الأنفس وفي واقع الحياة كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها وهي تزود لها بذلك الزاد الضخم والرصيد المتنوع.

ولقد جاء القصص القرآني بوفرة وتنوع وإيحاء وأكثره قصص بني إسرائيل لأسباب عدة أبرزها أن الله سبحانه علم أن أجيالًا من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر بها بنو إسرائيل وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل , فعرض عليها مزالق

(1) 31 - معالم في الطريق: فصل"طبيعة المنهج القرآني"

(2) 32 - ص"29"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت