فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 253

يقول سيد قطب رحمه الله (إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير الإنسان .. نوع الإنسان .. في الأرض .. كل الأرض .. ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان! إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يُخَّلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية، وهم مطلقوا السراح من جميع المؤثرات. فهنا"لا إكراه في الدين".. أما حين توجد العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولًا بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله وهو طليق من هذه الأغلال .. ) [1] .

القدرة شرط لوجوب الجهاد وغيره من الأحكام والواجبات الشرعية. وقولنا بالنسخ لا يعني أننا نمنع العمل بآيات الصفح والعفو عند العجز وعدم القدرة على الجهاد، ولكن المرحلة الأخيرة تبقي ناسخة لما قبلها من المراحل - بأمر من الله - وهذا العاجز إنما يعمل بحكمٍ منسوخ لعدم استطاعته إتيان الناسخ وهذا لا يغير الحكم الواجب على الأمة إلى يوم الدين.

يقول ابن تيمية (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [2] .

والعبرة بحال الشخص فمن كان قادرًا عمل بآيات القتال ومن كان ضعيفًا عمل بآيات الصفح مع بقاء النسخ وبالله التوفيق.

القدرة شرط وجوب وليس شرط صحة

والقدرة شرط لوجوب الجهاد وليست شرطًا في صحته كما ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم. وقد دلت النصوص الشرعية على صحة جهاد غير القادر وإن أدى لقتله ما دام الجهاد لغرض صحيح من تحقيق ظفر أو بث رعب أو تجرئة غيره على جهادهم وما شابه.

وقصة عاصم بن ثابت وأصحابه وقتالهم لمائة من الرماة واستشهادهم في ذلك القتال معروفة في السيرة وكذلك قصة سلمة بن الأكوع وأبي قتادة في التصدي لعبد الرحمن الفزاري ومن معه عندما أغاروا على سرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروفة كذلك.

وفي هذه النصوص دليل على جواز قتال الواحد للجمع الكثير من العدو وإن غلب على ظنه الهلاك ما دام لمصلحة شرعية وهو ممدوح بهذا الجهاد الصحيح إن شاء الله. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعب فعل أصحابه ولم ينه عنه بل مدحه بقوله عن سلمة وأبي قتادة (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رحَّالتنا سلمة) [3] .

وقد ردَّ أبو أيوب الأنصاري على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم واحتجوا بقوله تعالى {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ] البقرة:195 [

(1) معالم في الطريق/فضل الجهاد في سبيل الله.

(2) الصارم المسلول 221.

(3) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت