قال - رضي الله عنه - (أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنَّا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا بيننا سرًا إن أموالنا قد ضاعت فلو أنَّا قمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردنا) [1] .
قال السرخسي (لا بأس بالانهزام إذا أتى المسلمين من العدو ما لا يطيقهم ولا بأس بالصبر أيضًا بخلاف ما يقوله البعض من الناس إنه إلقاء باليد إلى التهلكة بل في هذا تحقيق بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فقد فعله غير واحد من الصحابة منهم عاصم بن ثابت حمي الدبر وأثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرفنا أنه لا بأس به والله الموفق) [2] .
قال ابن حجر (وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو بجريء المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين) [3] .
وقد جاء في تفسير القرطبي (قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو) [4] .
وقد تبين للقاريء مما سبق أن القدرة شرط لوجوب الجهاد وليست شرطًا لصحته بل جهاد غير القادر صحيح والحمد لله.
القدرة شرط وجوب لجهاد الطلب وليس لجهاد الدفع
والقدرة شرط لوجوب الجهاد في حالة الطلب وقصد العدو إلى ديارهم أما في حالة الدفع كأن ينزل العدو في بلد المسلمين فالدفاع واجب بكل سبيل وبما توفر من إمكانيات والواجب مقدم على الإمكان.
يقول ابن تيمية (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان. فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) [5] .
ولا شك أن المسلمين اليوم يمرون في حالة من الاستضعاف وتسلط الأعداء عليهم من كل حدبٍ وصوب وليس عندهم من القدرة الكافية لابتداء الكافرين بالقتال وهم في معظم البقاع مستضعفون لا يملكون إلا الكف والموادعة إلا من وفقه الله ممن يمارسون جهاد الدفع ورد الصائل على الحرمة والدين.
ولكن هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال عودة الأمة كلها إلى حال من الاستضعاف كالتي عاشها المسلمون في العهد المكي بحيث يفرض على الجميع العفو والصفح وترك الجهاد، بل الواجب على القادرين القيام بما يستطيعونه من الجهاد ولو أن يحملوا على هذا العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لمجرد بث الرعب في قلوبهم فلا يعرفوا الاستقرار ولا يطيب لهم عيش في بلادنا ولو كذلك
(1) رواه الترمذي وصححه.
(2) شرح السير الكبير 1/ 125.
(3) فتح الباري 8/ 186.
(4) الجامع لأحكام القرآن 2/ 364.
(5) الاختيارات الفقهية ص309.