اعلم هداك الله أن السجن هو أحد صور العذاب التي يمارسها الطغاة ضد الموحدين في كل عصر من العصور ... فهذا فرعون رأس الطواغيت والمجرمين يقول لموسى عليه السلام (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ] الشعراء: 29[.
وقد قالت زوجة العزيز من قبله ليوسف عليه السلام وقد نقمت عليه طهره وعفافه ورفضه للخبث. قالت (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) ]يوسف: 32[.
وقد كان السجن والاثبات أول وسيلة أراد الكفار استخدامها ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذَّكر الله تعالى بنعمته عليه فقال {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ]الأنفال-30 [.
فالسجن أحد أساليب الطغاة عبر العصور لردع الدعاة والمصلحين .. والسجون اليوم تعج بالدعاة والمجاهدين، فحلقة الكفر استحكمت وتناصر الكفار والطواغيت على أهل التوحيد وابتكروا من الأساليب الجسدية والنفسية ما يفوق الخيال.
فالسجين اليوم ليس مجرد رجل محبوس فقط مع أن هذا الحبس المجرد رهيب وشديد. ولكنهم يمارسون ضده أقسى ألوان العذاب والحرمان ويشنون على السجين هجومًا شاملًا وتدميرًا ممنهجًا على كل الأصعدة النفسية والعقلية والجسدية وأعلم أن السجن فتنة والسجين محاصر بالفتن الدينية والأخلاقية والأمنية والاجتماعية وهي حرب مفتوحة لولا حفظ الله ورعايته للموحدين في السجون. ولا تتصور أيها القاريء أن هذه مجرد كلماتٍ دعائية أو مبالغةٍ في وصف مشكلة عادية بل والله أنه لحق ويكفيك أن تعرف أن كاتب هذه الكلمات أسيرٌ عند يهود المجرمين منذ بضع سنين وإلى أن يشاء الله فرجًا ومخرجًا ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده.
وفك العاني واجب شرعي على كل مكلف من المسلمين لقوله - صلى الله عليه وسلم - (فكُّوا العاني) [1] .
والأمر في هذا الحديث يقتضي الوجوب والعاني هو الأسير.
يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (لأن أستنقذ رجلًا من أيدي الكافرين أحبّ إلىَّ من جزيرة العرب) [2] .
وقال ابن حجر (قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور) [3] .
والكفاية غير تامة اليوم فالقضية متعينة على كل مكلف حتى تتم الكفاية. وأنت ترى سجون الكفار والطواغيت كيف مُلئت بالموحدين والسبيل الشرعي والوحيد لإخراجهم هو الجهاد في سبيل الله وفيه الأسر لأعداء الله.
وقد رُوي أن الحجاج بن يوسف الثقفي غضب غضبًا شديدًا على واليه في السند بسبب امرأة أُسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند فجهز الجيوش المتواصلة وأنفقت بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردها إلى أهلها ومدينتها.
(1) رواه البخاري.
(2) فتح الباري 6/ 193.
(3) فتح الباري 6/ 193.