الحمد لله الذي كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر وفضلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا والصلاة والسلام على من بعثه الله كافة للعالمين نبيًا ورسولًا ... وعلى من سار على دربهم واستن بسنته ولم يكن للموحدّين خذولًا ... وبعد ...
فلقد كان لزامًا علينا أن نتحدث في العديد من الأمور التي من شأنها تقويم الإعوجاج وتصحيح مسار الركب الذي ما زال فيه الصدق والصواب رغم كل النكسات والإنحرافات التي اعترضته ولربما اعترته والبسيطة في معظمها إزاء هذا الدين العظيم.
والأمور التي سنبحثها بحاجة فعلية إلى ممارسة واقعية كما أنها بحاجة على أجوبة شافية على مبهمها تلبي الرغبة الشريفة للمسلم الغيور على دينه، الطموح لإقامة صرح الحق والتمترس لبنة أساسية بداخله، وما هّية هذا التمترس وحيثياته وبرامجه. فالعضو الصالح في جسم الأمة الممتدة الأطراف هو العضو الذي يساعد حسب الإمكان وبدافع الواجب في إبقاء أمته حية أو على الأقل ألّا يؤتى الجسم من قبله، سواء بتبني الرؤى القاصرة أو بالدخول من حيث لا يشعر في المجال الكهرومغناطيسي لمصطلح (الإمّعة) بحيث يلحق الركب
أينما سار أو يمشي مع التيار حتى لو ساقه إلى الهاوية والدمار، بل على المسلم الشريف أن يتسم بالوعي الكافي والحزم الوافي وألا يسمح للخلل أن يكون في مجال تواجده فضلًا عن أن يكون فيه.
إعلموا أرشدكم الله أنني أكتب عن المسائل الدعوية والجهادية وبشكل واضح صريح، فنحن اليوم بحاجة ماسّة إلى وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالإجتهاد والتاريخ والنقل وأمراض المتلقين والأتباع وكيف ساهمت هذا الأمراض على إختلافها بشكلٍ أو بآخر في تراجع المسيرة في بعض المواقع، كما أننا بحاجة إلى صياغة جديدة على الأسس القديمة للمفاهيم المختلفة التي علمناها بالضرورة من ديننا، لام اللائمون أم بكى الباكون.
بحاجة إلى نفض التراكمات الكبيرة من الغبار عن الموروث العظيم من الاجتهادات والمؤلفات التي أتحفنا بها سلف هذه الأمة الخالدة، وليس المقصود من الغبار (غبار الترك والإنحاء) فحسب، بل أيضًا الغبار المتمثل في الحقائق والوقائع المشّوهة التي رانت على عقول المسلمين فحجبتها عن حقيقة الدين السليم، وكل ذلك بفعل الهجمات الرهيبة والحملات المدروسة للغرب الحاقد على أمتنا عبر الحِقَب الزمنية المتوالية من تاريخنا.
قصدنا ذلك لأنه وللأسف الشديد من الملاحظ اليوم وبوضوح أن العديد من العاملين في الحقل الدعوي ولا أغفل الآخرين من المسلمين ولكنني أردت الحديث عمن يمثلون أو يدَّعون طليعة هذه الأمة. نلاحظ أنهم بحاجة إلى إعادة صقل وتهيئة شاملة في كافة الجوانب والمجالات، فللأسف الشديد أنك تجدهم لا يعرفون من أقسام وموضوعات الشرع المختلف إلا القشور التي لا ترقى إلى درجة طالب علمٍ فضلًا عن داعيةٍ طليعي يريد الخير والهدى للناس جميعًا على أساسٍ من العلم والإيمان والمعرفة، العلم بشرع الله تحقيقًا للعبودية وإقرارًا لحاكميته وإفرادًا له في ربوبيته وألوهيته [1] والإيمان بما على الإنسان من واجبات وبما في الكون من حقائق، والمعرفة المذكورة هي معرفة الجاهلية و إنحرافاتها لكي نقمعها ونغيرّها، فالمسلم يجوز له الإطلاع على آثار الشاط الجاهلي، ولكن ليس بهدف تكوين تصوره وإنما ليعرف كيف تتم هذه الإنحرافات وكيف السبيل إلى تغييرها، فالمسلم إن لم يعرف الجاهلية بوعي وحرص وحنكة وحذر فإنه قد يخالطه شيء منها يُحدث خللًا في شخصيته دون أن يدري، وليس غريبًا أن تجد بعض الدعاة الجدد ممن كانوا على جهلٍ بواقعهم المنحرف
(1) من العلم الذي حث عليه الشرع كذلك العلم بالقوانين التي خلقها الله في الكون لتحقيق معنى الإستخلاف من تسخير الطبيعة بثرواتها وأسرارها وهي صديقة للإنسان إذا أحسن تطويعها والإنتفاع بها وإن آذتهم أحيانًا فلأنه لم يهتدِ بالعلم إلى الناموس الذي يسيرها حتى يحسن التعامل معها.