فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 253

المتفشي تجدهم يُدافعون عن الأفكار والأشخاص والهيئات المختلفة والغنية عن التعريف بفسادها يدافعون عنها بقوة في نقاشٍ أو حوار، ولا عجب فالباطل يلبس الثياب المزركشة دومًا ولا بد له من عارفين فطنين بالمرصاد، يقول عمر رضي الله عنه (ينقض عُرى الإسلام عروة عروة من عاش في الإسلام ولم يعرف الجاهلية) فالمعرفة إذًا ركن أساسي من أركان شخصية المجاهد الطليعي وأحد مقومات نجاحه وإلّا فكيف يُتصَّور أن يسعى لتغيير الأوضاع الفاسدة من لا يعرفها؟!!

قال سيد قطب رحمه الله (لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها للإسلام أنه يبدأ عهدًا جديدًا منفصلًا كل الإنفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية، وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام، وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد، فإذا غلبته نفسه مرة وإذا اجتبذته عاداته مرة وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة شعر في الحال بالإثم والخطيئة وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدى القرآني) [1] اهـ.

وعندما نتحدث عن الدعوة الإسلامية فإننا نتحدث عن صرحٍ عظيمٍ وبوتقة صاهرة لكل الجهود و الإمكانات والرؤى بداخلها على أساسٍ من الصدق والصواب، صدق النوايا والإخلاص لله تعالى، وصواب الإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم وفق رؤية الإسلام الواحدة، الإسلام الكلي الشامل، وعلى أساس من التأريخ الصحيح والنقل الدقيق لمؤلفات السابقين على الدرب الطاهر الحاضن لفكرة الوحدة، فالدعوة العظيمة التي بدأت هناك في شعاب مكة وبطحائها و أضائت شرارتها الأولى بثلةٍ من الأولين الصادقين والتي كان شعارها الإخلاص والصواب، والولاء الكامل لربها ولقائدها المبلغ عن ربها ولمبادئها الطاهرة ولالتزاماتها الثقيلة من

التبليغ والتمكين، وما تبع ذلك من محنٍ وابتلاءاتٍ وشهداء حتى سطع نورها و أضائت الطريق للحيارى، وأرشدت البشرية للحق والهدى، ونظمت العلاقات بين الناس على أساس العدل المطلق [2] .

لا يمكن لهذه الدعوة التي بهرت العالم برونقها وعدلها ومصداقيتها أن تنحصر في رؤية محددة تفرضها ظروف متغيرة لقضية بعينها، أو أن تكون حكرًا على أحد.

وهذا مقتضى فهمنا لشمولية هذه الدعوة وعالميتها وكمالها، والتي تبدأ عالميتها من نقطة النهاية والاندثار لكل القيم والتعاليم والمبادئ الفاسدة التي تهيمن وتعربد في الواقع المراد البدء منه.

ولأنها تجربة أولية في موقعٍ تقاس عليه باقي المواقع، أقول أولية وليست اختباريه، بل الدعوة بإذن الله ناجحة موفقة إذا ما صدق حاملوها وكانت نياتهم وأهدافهم وقلوبهم وقوالبهم كلها لله وإلى الله، فالدعوة المطبقة كاملة من خلال الصادقين الشرفاء في واقعٍ تنطبق عليه مواصفات الواقع الذي نشأت فيه الثلة الأولى حتى لو في بعض المواصفات التي على خطورتها وكثرتها فمن شأنها تدمير الفرد والجماعة فنجاح الدعوة الكاملة في هذا الواقع المحدد فاتحة لنجاحاتٍ وانتصاراتٍ متوالية في مواقع أخرى على طريق النصر التام والأخير _ بإذن الله _ ممثلًا في إقامة صرح الحق والسيادة على منهاج النبوة بإذن الله تعالى.

لعلك أخا التوحيد قد لاحظت أننا نتحدث عن مواقع، وكأننا نتعامل مع كلٍ على حدة، بالعكس فمهما اختلف الواقع في البيئات المختلفة فالحل واحد والرؤية واحدة وشاملة لأن منبعها الدين الشامل، ولكن حالة التجزئة التي خلّفها الاستعمار الكافر ما زالت قائمة بأبعادها السقيمة الموجعة التي اضطرت المجاهدين إلى توزيع جهودهم وتشتيتها كلٌ على جزئه وأصبحوا يتعاملون مع الأقاليم _ اضطراريا

(1) معالم في الطريق: فصل"جيل قرآني فريد"

(2) العدل المطلق القائم على أحكام الله والحق المنزل من الله، والكل يعرف أن الدين جاء بالعدل والإحسان وأمر الله بهما وجعل عليهما مدار الزيادة في الأجر والعدل هو المقصود الأعظم والله أعلم ... وتأكيدًا لهذا المبدأ السامي في الإسلام فقد تعامل المسلمون بالعدل حتى مع من يخالفهم من المِلَلِ والطوائف والنِحَلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت