_ وكأنها مفصولة عن بعضها وكانت النتيجة أن تجدرت هذه النظرية في نفوس الكثير منهم وفي سلوكهم إلا من رحم الله، فأصبحوا أسرى الإقليمية المقيتة وأصبح لكلٍ رؤيته السياسية الخاصة ببلده والتي غلّفها بغلاف الدين وحصرها في نقاطٍ محددة وأوهم العامة وتوهم معهم أنها الدين الكفيل بالحل وتذرع لتمرير رؤيته بأن (( أهل مكة أدرى بشعابها ) )وكأن الصورة ثابتة على ما قبل التكنولوجيا الحديثة وكأننا لا نرى واقعه من خلال الفضاء المفتوح أكثر منه نفسه، وكأن العقيدة تختلف من قطرٍ لآخر في التطبيق والملاءمة، وبقصدٍ أو بغير قصد تناسى السيرة والتاريخ والخلافة التي جمعت الأمصار كلها بعد انتشالها من واقعٍ هو لعمري أشبه بل أشد مرارة من واقعنا اليوم .. يقول الشهيد كما نحسبه سيد رحمه الله (ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن، كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية، وكانت محصورة في شعاب مكة، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله، وكانت تحف بها إمبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها ولكنها مع هذا كله كانت قوية، كما هي اليوم قوية وكما هي غدًا قوية، وإن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها. ومن ثم فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجًا، إنها تكمن في الحق البسيط الواضح الذي تقوم عليه وفي تناسقها مع الفطرة وفي قدرتها على قيادة البشرية في أي مرحلة أو وضع وفي صراحتها وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية دون أي خَرمٍ في أصولها وهي لا تربت على شهوات الجاهلية إنما تصدع بالحق صدعًا مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة) [1] اهـ بتصرف يسير.
لا ننكر أن الظروف ربما اختلفت كثيرًا بعد سقوط الخلافة وحالة التردي الذي تعيشه الأمة لكن الدين واحد والحكم واحد والشرع كلٌ لا يتجزأ وما حالة التردي هذه إلا نتاجًا طبيعيًا لبعد الأمة عن دينها وغياب الرؤية الموحدة للحل القائمة على الكل الديني المتكامل والتي يحملها تيارٌ واحد ينتشر على مساحة أكبر من أرض الإسلام المغصوبة مع التركيز على البقعة الأكثر ملائمة للانطلاق.
نقول وبالله التوفيق أن الدعوة الإسلامية الساعية لإقامة بيئة إسلامية سليمة ومجتمع مثالي تقوم بإذن الله _ أينما أُتيح لها أن تقوم وفي أي موقع تتهيأ فيه الشروط الأساسية لقيامها وفي أي بقعةٍ كانت على ألّا يُخل بأيٍ من الشروط لأن هذا معناه التصادم مع العقيدة التي دافع عنها النبي صلى الله عليه وسلم وبلغها ورفض المساومة عليها.
إن ما سقنا وطرحنا هو مقتضى فهمنا لدولة الإسلام الأولى، فعندما وصلت الدعوة في مكة على حد التجميد تقريبًا بسبب موقف قريش العنيد منها وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل وفتنتهم وتعذيبهم للمنضويين تحت لوائها وموقف العرب المترقب لنتيجة المعركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته وانتظار ما سوف تسفر عنه هذه النتيجة علمًا بأن الكثير كان ينتظر ويريد الدخول في هذا الدين، ولكن المحاربين هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا له وزنه عند العرب وأضف إليه أن قريش هي التي تقوم بسدانة الكعبة وتمثل الجانب الديني في جزيرة العرب. ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة، وتكفل لها الحرية أولًا ثم يضمن المعتنقون لهذه العقيدة الحماية الكاملة من الاضطهاد والفتنة في ظل هذه العقيدة القوية ثانيًا، ثم تكون القاعدة القوية للإنطلاق بهذا الدين لكل العالمين عربًا وغير عربًا حتى يكون الدين على الأرض كله لله سبحانه وتعالى ...
وفعلًا اتجه المسلمون قبل يثرب في عدة اتجاهات أولها الحبشة حيث هاجر إليها الكثير من المسلمين الأوائل وكان معظمهم من القرشيين الأشراف، ثم كان اتجاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في محاولة أخرى لإيجاد قاعدة أخرى آمنة للدعوة ولكنها محاولة لم تنجح لأن كبراء ثقيف سلطوا عليه سفهائهم وصبيانهم فرجموه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين وفي هذه الرحلة الشاقة دعى النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه الخالد الذي يعلمنا من خلاله أن المؤمن المجاهد إذا إضيقّت عليه الدنيا وأُغلقت في وجهه الأبواب وعظمت عليه الخطوب يتجه سريعًا إلى الله مولاه وناصره، والشكوى في ذاتها عبادة لله تعالى وتذللًا وطاعة وقربى، والدعاء لله هو السلاح الأقوى والأمضى على مر العصور والسنين
(1) معالم في الطريق: فصل"نقلة بعيدة".