فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 253

ولا تعارض هنا بين الشكوى والصبر على المحن لأن المحن هي مشقّة وتعب وآلام في ذاتها والإنسان يبقى إنسان وبشر في النهاية يحتاج للمدد الإلهي على الدوام ومن هذا الباب كان الدعاء العميق الخالص من النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ ملكته أمري! أم إلى بعيد يتجهمني؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي. ولكن عافيتك أوسع لي. وأعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تُحلّ عليَّ سخطك، لك العقبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)

نعم لا حول ولا قوة إلّا بالله، فإذا كان النبي المؤيد والمعصوم يدعو بهذا الدعاء فنحن أحوج بأن ندعو به خاصة ونحن الغرباء في هذا الزمان.

على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلال هذه الفترة كلها يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج من كل سنة يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، وأن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يستجيب له أحد. ومنهم من اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصره بعيدًا عن اعتناق الدين لكنه رفض صلى الله عليه وسلم لأن في هذا إخلال بالشروط الإسلامية ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد مجتمعا ً مسلمًا وجماعة مؤمنة ولائهم لله تعالى وحده يشكلون قاعدة لإقامة دولة الإسلام ,لأن الدولة المنوط بها كل هذا الزخم من التشريعات والتطبيقات والحدود والحقوق والواجبات وأعظمها حمل الدين لكل العالمين , حري بها أن تؤسس على قاعدة صلبة سليمة وفى بيئة سليمة وكل ما يتلوا ذلك من متطلبات الدنيا ومواصلة الحياة والإعمار تبعا لتلك القاعدة وذلك الأساس.

وحول عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل يقول ابن سعد في طبقاته (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوافي الموسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاذ , يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ,فلا يجد أحدا ً ينصره ,ويقول(قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكًا في الجنة) وأبو لهب وراءه يقول (لا تطيعوه صابئ كاذب) فيردون على رسول الله أقبح الرد ويؤذونه) [1] اهـ.

ورفض النبي صلى الله عليه وسلم كذلك البيئة التي اشترطت عليه أن يكون لهم الأمر من بعده فقد روى ابن إسحاق عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس (والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب) ثم قال (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟) قال صلى الله عليه وسلم (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء) قال , فقال له (أفنهدف نحورنا للعرب دونك , فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك) [2] اهـ.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا كله وجد القاعدة الحرة القوية حيث فتح الله عليه من حيث لا يحتسب فكانت بيعة العقبة الأولى وتسمى بيعه النساء لأنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد ولأن الجميع رجالًا ونساءً بايعوه على نفس البنود , ثم كانت بيعة العقبة الثانية وتسمى بيعة العقبة الكبرى وكانت في موسم العام التالي حيث مكث مصعب بن عمير _مقرىء المدينة _ عامًا كاملًا في يثرب وقد عاد ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة من الأوس والخزرج وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبايعوه وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم.

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 200،201

(2) سيرة ابن هشام 1/ 425

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت