فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 253

ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي، قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم _ يعني ليلة العقبة _ (اشترط لربك ولنفسك ما شئت) فقال صلى الله عليه وسلم (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم) قال (فما لنا إذا فعلنا ذلك؟) قال صلى الله عليه وسلم (الجنة) قالوا (ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل) .

وبذلك كانت بيعة العقبة الثانية إيذانًا بإقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة بعدما استوفت الشروط كلها .. فهاجر المسلمون إلى المدينة تباعًا فارّين بعقيدتهم وحدها قوبلوا بالإيثار والإخاء الصادق الذي لم يشابهه إيثار من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان.

ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه وأرضاه إلى هذه القاعدة الحرة القوية الآمنة وقامت دولة الإسلام فعلًا منذ اليوم الأول لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

إننا عندما ندقق في بحث النبي صلى الله عليه وسلم عن قاعدةٍ آمنةٍ متينة للدعوة خارج مكة من هجرة المسلمين للحبشة وذهابه للطائف وما إلى ذلك من عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل، ثم إقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة يتضح لنا بصورة جلية أن إقامة صرح الإسلام غير مقيدة ببقعة معينة من حيث قدسية ما إذا لم تستوف هذه البقعة شروط التمكين ...

فمكة المكرمة هي أطهر البقاع وأقدسها على الإطلاق وأحبها إلى الله ورسوله، ولكنها احتوت على مجموعة من العوائق التي اضطرت النبي صلى الله عليه وسلم البحث عن قاعدة أخرى مكَّن لدين الله فيها ثم إنه انطلق بعد ذلك منقذًا وحررًا في كل اتجاه وأبرز هذه الاتجاهات مكة المكرمة نفسها، وهذا هو الشرط الأهم أن يعود المجاهدون محررون مع أول فرصة لذلك.

هناك لفتة لا تقل أهمية عما سبق، فإقامة القاعدة المثلى غير مقيد بمدى المساحة أو أنه يجب أن تكون كبيرة لتشمل جزءًا كاملًا لأن هذا من شأنه أحيانًا أن يؤخر الأمر أو يعيقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقام الدولة الإسلامية في مدينة معينة الحدود على أن يتم الانطلاق للتبليغ وعدم إغفال التنسيق مع المجاهدين المخلصين من المناطق الأخرى، فربما يكون الانطلاق من مدينة استوفت الشروط السابقة وربما من قرية حتى أو حي، المهم أن تسود في هذا المجتمع المبادئ الإسلامية الطاهرة والبيئة السليمة وقاعدة الانطلاق القوية.

واعلم أخا التوحيد أن الدولة ليست غاية في ذاتها، إنما تكون البداية لنشر الدين الإسلامي في الأرض كل الأرض، وكفانا في جهادنا وصبرنا على المحن والابتلاءات من أجل مبادئنا وعقيدتنا كفانا وحسبنا صلوات ربنا ورحمته وهدايته، يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى في البقرة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} يقول (إنه لا يعدهم هنا نصرًا، ولا يعدهم هنا تمكينًا، ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئًا إلا صلوات الله ورحمته وشهادته. لقد كان الله يعدُّ هذه الجماعة لأمرٍ أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها. فكان من ثم يجردها من كل غاية ومن كل هدف ورغبة _ حتى الرغبة في انتصار العقيدة _ كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته. كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلّا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته بأنهم مهتدون .. هذا هو الهدف وهذه هي الغاية وهذه هي الثمرة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها، فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليست لهم إنما هو لدعوة الله التي يحملونها) [1] انتهى من الظلال.

ولقد سبقت كلمة الله لعباده المرسلين أنهم لهم المنصورون وأن جنده لهم الغالبون فمن رام في الدنيا الظفر، وعند الله الفوز الأكبر، جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، فلا بد من التزام درب المجاهدين وإظهار التوحيد الحق للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والتنديد إلى نور التوحيد، وهذا هو المقصود الأعظم، وما الدولة الإسلامية أصلًا إلا وسيلة من وسائل هذه الغاية العظمى .. فالزم أخانا درب الموحدين وابذل النفس من أجل الدين، فإنها والله الشهادة، والخلود في السعادة، ولك في أصحاب الأخدود عبرة، فإن ذلك الغلام الصادق ما أقام دولة وما كان له صوله ولكنه أظهر التوحيد أيما إظهار وانتصر للحق أيما انتصار فكانت الشهادة مناله والجنة مآله وما قيمة الدنيا كلها وما وزن القتل والتحريق أمام الفوز بالجنة والنجاة من النار كانت الدولة أم لم تكن ...

(1) في ظلال القرآن 1/ 146

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت