ولعله من الضرورة بمكان أن نثمن الجهود المباركة التي آمنت بهذه الفكرة، وأرادت جمع الأمة بكلها على هذا الأساس الذي يمثل الإسلام الشامل الذي تنبثق من خلاله المؤسسات والهيئات المختلفة، وأنه لا فصل بين الدين والسياسة في الممارسة وأن حمل الدين شعارًا يقتضي أن يكون الأصل هو الدين في التسمية والمضمون والممارسة، وإلّا فما الفارق بيننا وبين الآخرين ممن نعيب أو ننتقد أو نلوم ...
وإذا مثلنا بالتيار الجهادي الرباني صاحب الرؤية الشاملة الواضحة والإرث العريض من التضحيات وإن اعترى التطبيق بعض المعضلات في بعض المواقع نتيجة لظروفٍ قاسية وأعباءٍ جسيمة واجهها التيار.
فالتيار الجهادي جزء من سلسة النهضة لهذه الأمة العريقة الطاهرة الخالدة بخلود دينها، فقد كان هذا التيار المبارك الممتد في كل الأقطار نتيجة حتمية للهجة الصليبية الصهيونية على أمتنا بمقدراتها وأبنائها ودينها الحنيف بعد أن أدرك الغرب جيدًا أن هذا الدين أساس قيام الأمة وعماد رفعتها فازدادت هجمته الوحشية على الدين وحامليه من المخلصين مما ساهم بدرجة كبيرة وأساسية في تبلور هذا التيار الطاهر، فبعد الحروب المتوالية على الأمة من فلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير وصولًا إلى البوسنة والهرسك والقوقاز ثم العراق والصومال وزيادة تلك الهجمة من الكفر العالمي بمكوناته المختلفة مع غياب الرادع القوي، بدأ السعي جديًا للانتقال من مرحلة الركون الدعوي المختزل في صورٍ محددة لا ترقى إلى طموح الشاب المسلم الذي يرى حال أمته ولا تلبي الرغبة الشريفة لديه، خاصة مع زيادة التخاذل الداخلي والانبطاح السافر في ظل هذه الصور وعدم جدواها في الحد منه، وأقصد"الدعوة التقليدية"ولا أغفل دورها التربوي فقد وقفت من خلاله على ثغرٍ هام من ثغور الإسلام بتعريف الناس بدينهم، بدأ السعي للانتقال إلى مرحلة جديدة من الهجوم المضاد أو بالأحرى كبح جماح الهجمة الرهيبة للمادية الغربية الممزوجة بالإرهاب والحقد المتجذر في نفوسهم على الإسلام المحرر وأهله الأفاضل الذين سعوا من خلال كل الحركات الجهادية النابعة من فكر التيار المبارك إلى:-
(1) هداية الناس وتحريرهم من ربق الشهوات والضلالات وتوجيههم إلى عبادة الله مولاهم الحق من خلال المعتقدات السليمة.
(2) إقامة دولة الإسلام الحامية لهذه المعتقدات الداعية لها والتي ستجلب إليها كل الطاقات الكفيلة بنهضتها والذود عن حياضها ليأوي إليها كل مسلم.
والآن بعد توضيح الفكرة واستعراض المثال الجهادي المبارك. تسأل من نحن ولماذا الجهاد؟؟
لقد نشأنا فوجدنا علمًا مفقودًا وأمة جاهلة ومعاصي متفشية وأرضًا مغصوبة وحكامًا مرتدين , فما الواجب الملقى على عاتق من علّمه الله وفقّهه؟
لقد قيض الله في زماننا أمرًا عظيمًا هو انتشار كتب السلف وإقبال الناس عليها بعدما كانوا إلا قلة قليلة لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب أهل الكلام ولا يقرؤون الفقه إلا من كتب المتون ولا يعرفون من كتب التربية إلا التربية الصوفية ولكن الله برحمته هيّأ لكتب السلف من يطبعها ويحققها فطبعت مؤلفات ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام"ابن تيمية"وطبعت كتب السنة والتوحيد كالسنة لعبد الله بن الإمام أحمد والسنة لابن أبي عاصم والتوحيد لابن خزيمة والشريعة للآجري، ثم تتابع السيل المبارك. ثم اجتمع العلماء الذين هم همزة الوصل للطائفة المنصورة الباقية وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمة هذه الطائفة بدءًا بأبي بكر الصديق إلى قول أي عالم أصاب الحق والهداية وارتبط بالكتاب والسنة فكان ما خرجوا به أن الأمة غيرت وبدلت وأصابها الجهل في كل جوانب هذا الدين، وبسبب جهلها وقعت في المعاصي واقترفت البدع بل إن بعضها لحق بالمشركين واتبع دينهم، ثم نظروا فوجدوا أنه استولى على أمرهم وقيادتهم حكامًا باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في دين المشركين وسرقوا مقدرات الأمة وخيراتها وأغلقوا كل طريقٍ للخير فعطلوا المساجد ودور العلم ولاحقوا العلماء والدعاة إلى الله.