اعلم هداك الله أن المجاهد الذي يمضي أوقات وسِنيّ حياته في حمل الدعوة وتبليغها والذود عن حياضها لابد أن يكون حقه المالي كاملًا وغير منقوص , وذلك من بيت مال الدعوة الخاص بها , يقول تعالى {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [1]
وقال تعالى في الصدقات والزكاة التي هي المصدر الرئيسي لبيت المال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [2]
وقد اتفق أهل المذاهب الأربعة في مصرف سهم"في سبيل الله"على أمورٍ ثلاثة:-
1 -أن الجهاد داخل في سبيل الله قطعًا.
2 -مشروعية الصرف من الزكاة لأشخاص المجاهدين واختلفوا في الصرف لمصالح الجهاد ومعداته.
3 -عدم جواز صرف الزكاة في جهات الخير والإصلاح العامة من بناء السدود وإنشاء المساجد والمدارس , وإنما عبء هذه الأمور على موارد بيت المال الأخرى من الفيء والخراج وغيرها , وانفرد أبو حنيفة في اشتراط الفقر في المجاهد حتى يأخذ الزكاة. [3]
واعلم أخانا أن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله صارت شغلًا في ذاتها تحتاج للجهد والوقت مما يضطر المجاهد الداعية لاستنفاذ وقته في هذا الدرب العظيم , ولا يخفى عليك الظروف القاسية التي تمر بها بلداننا في عصرٍ تسارعت فيه الساعات وتقارب فيه الزمان ولا بد من متفرغين فطنين لمقارعة الباطل وتعريف الناس بدينهم وإعادة بعثه من جديد في حياة الأمة والجهاد في سبيل ذلك بكل الوسائل المتاحة وصولًا إلى صرح الحق العظيم الحامي لهذه التعاليم.
ولابد من الوقود المادي والمعنوي لأهل هذا التيار المبارك , تحفيزًا لهم وتنشيطًا ودفعًا باتجاه مواصلة الطريق وإنجاحه وذلك من اللوازم الأساسية لهذا الطريق.
ومن المعلوم بالضرورة أن الأخوة بحاجة إلى بناء الحياة الكريمة التي تليق بهم ولو بقدرٍ يسيرٍ من التوسع وهناك من يمر في محنٍ وصعوباتٍ جمَّة , منها الزواج والتعليم وبناء منزل أو تربية صغير أو كفالة أهل , ومن المجاهدين من يؤسر أو يُستشهد أو يصاب وخلفه العيال والأطفال , كما أن المرافق المختلفة والمشروعات المستجدة بحاجة للدعم حتى تكون على المستوى المطلوب الذي نصل من خلاله لكل المواقع والميادين.
واعلموا أن المجاهدين هم أحد الخطوط العريضة لدعوتنا الجهادية , فعلى كواهلهم يقع عبء تطبيق ونشر هذه الرسالة المتمثلة في الإسلام عقيدة وشريعة , أفكارًا وسلوكًا في كافة الجوانب والمجالات , وهم المتمحورون حول إمامهم , البنيان المرصوص في دعوتهم وقتالهم , وهم بإذن الله المصاحف السائرة على الأرض باعتقادهم وهديهم , الأشداء على الكفار والطواغيت الرحماء بينهم , الذين يسيرون بالعقيدة تحميها سيوفهم.
ولسنا هنا بصدد التفصيل في المناقب , فالحق المالي ثابت لكل ملتزمٍ بدعوتنا وفاعلٍ فيها. وإن تفاوت القدر حسب المهام والنشاطات وحسب الحالة المادية والاجتماعية كذلك.
واعلموا أن لكل دعوة مصادر دعمها وتمويلها التي تتجمع في بيت مال الدعوة الذي ينبغي إعداده سلفًا وأن يقوم عليه الصادق الأمين والحفيظ العليم.
والدعوة الجهادية لديها العديد من المصادر التي يمكن الاعتماد عليها , ولكن الأساس الذي يجب أن يكون واضحًا من أول الطريق أن أصحاب أي دعوة هم أولى الناس بإقامتها ودعمها وتقويتها , وعليه فالتمويل الذاتي هو الأهم في هذا الموضوع , فلقد رأينا أمثلة كثيرة
(1) 397 - البقرة 273
(2) 398 - التوبة 60
(3) 499 - انظر فقه الزكاة للقرضاوي