فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 253

من السيرة الشريفة تؤيد ما ذهبنا إليه وتؤكده , وانظر إلى غزوة واحدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك مدى حب الصحابة لدعوتهم التي آمنوا بها وحرصوا على إقامتها وتبليغها والذود عن حياضها , فهذا عثمان رضي الله عنه يتبرع بأكثر من نصف ماله في غزوة تبوك وأبو بكر الصديق رضي الله عنه يتبرع بماله كله ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله وكانت أربعة آلاف درهم وهو أول من جاء بصدقته , وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية من فضة وتصدق عمر بنصف ماله وكذلك العباس تصدق بمالٍ كثير , ومنهم من جاء بالتمر ومنهم من تبرع بالدواب حتى أن نساء الدعوة رضي الله عنهنْ تبرعن بالأساور والمعاضد والخلاخل والأقراط والخواتم ولم يمسك أحدٌ يده.

كل هذا ليس لغزوةٍ كتبوك وغيرها فحسب , بل كان الإنفاق لدعوتهم ديدن نفوسهم , كيف لا وهم يقرئون ليل نهار قول مولاهم {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [1] يقول سيد قطب رحمه الله (والإنفاق في سبيل الله هو صنو الجهاد الذي فرضه الله على الأمة المسلمة , وهو يكفلها النهوض بأمانة الدعوة إليه , وحماية المؤمنين , ودفع الشر والفساد والطغيان , وتجريده من القوة التي يسطو بها على المؤمنين , ويفسد بها في الأرض , ويصد بها عن سبيل الله , ويحرم البشرية من ذلك الخير العظيم الذي يحمله إليها نظام الإسلام , والذي يُعد حرمانها منه جريمة فوق كل جريمة , واعتداء أشد من الاعتداء على الأرواح والأموال) [2]

ولا عجب أخوة التوحيد فنحن وخاصة أهل السنة فينا عندما ننفق وندعم هذا التيار المبارك إنما نستجيب لأمر الله مولانا {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [3] وهذه الآية من الآيات التي تدل على وجوب الإنفاق في سبيل الله والجهاد بالمال لما فيها من أمر , والتهلكة هي الركون إلى الظلال والدعة والراحة وعدم الإنفاق والقعود عن الجهاد والنفير لما فيهما من حياة كما فسرها أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقد نزلت فيهم أي"الأنصار".

والإحسان في الآية الكريمة أي زيادة الخير والعطاء , فالعدل إعطاء كل ذي حقٍ حقه أما الإحسان فهو إكرام ذوي الحق بالزيادة , وليس من شيءٍ أحق علينا من دعوتنا علينا , واعلم أن أصحاب اليمين عندما فعلوا المأمور وتركوا المحظور عاملهم الله بالعدل فأعطى كل ذي حق منهم حقه , أما السابقون في نفس السورة -"الواقعة"- عندما أحسنوا مع الله خالقهم ومع دعوتهم ففعلوا المأمور وتركوا المحظور ثم زادوا على ذلك بالنوافل عاملهم الله بالإحسان فأعطى كل ذي حقٍ منهم حقه ثم أكرمهم فوق هذا بالزيادات المستحبة من الحسنات والدرجات , وأتاهم هرولةً عندما أتوه مشيًا , فيا أيها الإنسان {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [4]

يقول سيد قطب (إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه , إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله , لا ينفق عن هوى ولا عن غرض , لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون , لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ , لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان أو ليكافئه بنيشان , لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله خالصًا متجردًا لله , ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته ويطمئن لبركة الله في ماله , ويطمئن لثواب الله وعطائه ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جرَّاء الخير والإحسان لعباد الله ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض وعطاء الآخرة بعد هذا كله فضل) [5]

واعلموا أن النوافل تكون مع كل عبادة , فالنوافل في الصلاة بعد الفرائض وكذلك الصدقات بعد الزكاة الواجبة ولا نغفل هنا قضية الزكاة وجمعها وتوزيعها ومصارفها فقد كانت المصدر الأساس لبيت المال وأشرنا إليها قبل قليل وللزكاة تفصيل في كتب الفقه يُرجع لها.

(1) 400 - البقرة 261

(2) 401 - الظلال 1/ 304

(3) 402 - البقرة 195

(4) 403 - الرحمن 60

(5) 404 - الظلال 1/ 315

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت