لا تساوي عندنا تشويه المنهج. وعليه فيجب علينا أن نبقي مباديء منهجنا سليمة ناصعة قاطعة دون تبرير للمنحرفين بتحريف المنهج لأنه أخطر على الإسلام من وصف الشخصيات بالخطأ والانحراف. والمنهج أبقى وأكبر من الأشخاص) [1] .
هذا هو المنهج السليم الذي ينبغي اعتماده في عملية التربية والله المستعان ...
3 -البيئة الصالحة ... وهي المحاضن التربوية التي يجب توافرها للمجاهدين .. ومن الأفضل أن تكون في مساجد وأروقة ومؤسسات الجماعة وفي محيط الأسرة وهو المحضن الأهم إن أمكن تهيئة ذلك .. واسمع لقول الشهيد سيد رحمه الله (إن خط التقدم الإنساني يسير في اتجاه"الضبط"للنزوات الحيوانية , وحصرها في نطاق"الأسرة"على أساس"الواجب"لتؤدي بذلك"وظيفة إنسانية"ليست اللذة غايتها , وإنما هي إعداد جيل إنساني يخلف الجيل الحاضر في ميراث الحضارة"الإنسانية"التي يميزها بروز الخصائص الإنسانية .. ولا يمكن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسان , ويبتعد عن خصائص الحيوان , إلا في محضن أسرة محوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي , وقائمة على أساس الواجب الذي لا يتأرجح مع الإنفعالات الطارئة) [2] والآن نأتي إلى الطريقة الثانية في معرفة أحوال المجاهدين وهي عملية التقويم وذلك من خلال الجرح والتعديل .. والجرح معناه الأوصاف السلبية التي تظهر في المكلف وتقدح في عدالته وتصرفه مما يترتب عليه الإخلال بشروط المسؤولية , والتعديل معناه عدم ظهور أي وصف في أمر دينه ومروءته يمكن أن يخل بهما مما يؤدي إلى قبول تكليفه بالمهام والأعمال , وهذه الطريقة جيدة ونتائجها طيبة إذا طبقت بأمانة ودقة وهي طريقة لابد منها ولا غنى عنها وتبقى مجالًا واسعًا للتأطير والإختيار والتكليف .. وبذلك تظل دائرة التوثيق والإقرار رحبة لدخول المجاهدين فيها بالعدل والإنصاف والموضوعية وهذه الطريقة مقبولة شرعًا وعقلًا إذ يتم من خلالها توثيق الدعاة وتكليفهم المناسب في الموقع المناسب من مواقع الجماعة ومرافقها الدعوية والجهادية المختلفة.
والطريقة الثالثة التي يمكن للجماعة أن تسلكها هي طريق الاختبار والامتحان .. ويكون ذلك بتكليف المجاهد بالمهمات الخاصة .. ومراقبة تنفيذه لهذه التكليفات .. والنظر في ممارسته أثناء المهام .. ويا حبذا لو كان التكليف بالأسهل ولا يزج بالمجاهد في مهمة صعبة لا يطيقها من أول مرة .. وكذلك يمكن معرفة تاريخ وسلوك المجاهد من خلال عمله أثناء تنفيذ التكاليف وفيه كذلك فرصة كبيرة لمعرفة مدى جدية وصدق المكلًّف ..
واعلم هداك الله أن عملية التكليف من خلال الطرق المتقدمة عملية دقيقة وتحتاج للصادق الأمين دفعًا للفساد وسد طرق النجوى وأبواب الغيبة لما في العملية من تفنيدٍٍ لصفات المكلف وتفصيل لأمور كثيرة خاصة به .. ولا يقوم بهذه العملية إلا أهل الخبرة من القائمين على الدعوة .. فهم أقدر على اختيار من يصلح للأعمال الجهادية والدعوية المقصودة .. وأنت خبير أنهم أوسع علمًا بالشرع والواقع (والأصل في القائمين على الدعوة أن يكونوا الأمثل في الجماعة) .. وهم قد حازوا مع الأيام تجارب مليئة بالأدلة والقرائن التي يفقدها غيرهم .. وهم كما أسلفنا أعلم بالمجاهدين وما يناسبهم من المهام والمواقع .. ولا بد في هذا السياق أن نؤكد على أن الأمراء غير مستثنين من قواعد الالتزام والأفضلية وهذا ما ذكرناه في معنى الأمانة والتي تنطبق على الجماعة كلها من أولها لآخرها.
ويجب أن يرافق عملية التكليف الخلق الحسن والورع المستمر والنية الصالحة وحفظ اللسان عن أعراض الأخوة .. وكل ذلك حتى لا نرتكب زورًا من حيث أردنا أجر التكليف , وعلى الذي يقوم بالتكليف أن يتحرى الإخلاص في كل خطوة يقوم بها , وأن يكون عمله خالصًا لوجه الله تعالى غير مشوب بنية أخرى لاكتساب صداقة خاصة أو مودة أو قرابة أو حبه لشخص معين وأن يبتعد عن الآفات كلها في عملية التكليف , فمن الناس والعياذ بالله من يكلف ويؤطر لجمال المظهر أو صُغر السن فعلينا الحذر من هذه الأخطار القاتلة في مجال الدعوة والجهاد.
(1) 392 - الظلال 1/ 533
(2) 393 - معالم في الطريق: فصل"الإسلام هو الحضارة"