أعلم أن دولة الإسلام تقوم أينما أتيح لها أن تقوم وفي أي موقع تتهيأ فيه الشروط الأساسية لقيامها. وهذا مقتضى فهمنا لدولة الإسلام الأولى.
فعندما وصلت الدعوة في مكة إلى حد التجميد تقريبًا بسبب موقف قريش العنيد منها وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل، وفتنتهم للمؤمنين من أتباعها، وموقف العرب المترقب لنتيجة المعركة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وعشيرته والكثير من العرب يريد الدخول في الإسلام ولكن المحاربين هم قرابة النبي وهذا له وزنه عند العرب إضافة للجانب الديني الذي تمثله قريش في الجزيرة من سدانة الكعبة وغيرها.
ولذلك نرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبحث عن قاعدة أخرى غير مكة لحماية التوحيد أولًا ثم لحماية المؤمنين من الفتنة والعذاب ثانيًا ولكي تكون القاعدة القوية للإنطلاق بالدين لكل العالمين بعد ذلك حتى يكون الدين كله لله على الأرض.
وفعلًا، اتجه المسلمون قبل يثرب في عدة اتجاهات، أولها الحبشة، ثم اتجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف، في محاولة لإيجاد القاعدة ولكنها لم تنجح، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان خلال هذه الفترة كلها يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج من كل عام، يدعوهم إلى التوحيد وأن يمنعوه حتى يبلِّغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يستجيب له أحد، ومنهم من اشترط نصرته بعيدًا عن اعتناق دينه، ومنهم من اشترط أن يكون لهم الأمر من بعده، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرفض لأنه أراد مجتمعًا مسلمًا وجماعة مؤمنة ولاؤهم لله وحده يشكلون القاعدة لإقامة دولة الإسلام التي تحمل الدين لكل العالمين عربًا وغير عرب، فهي يجب أن تكون قاعدة صلبة سليمة وفي بيئة سليمة وما يتبع ذلك فروع عن الأصل.
ثم أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا كله، وجد القاعدة الحرة القوية، حيث فتح الله عليه من حيث لم يحتسب، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية، التي كانت إيذانًا بإقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة، والتي قامت بالفعل منذ اليوم الأول لهجرته - صلى الله عليه وسلم - بعد اكتمال الشروط كلها والحمد لله في الأولى والآخرة.
إننا عندما ندقق في بحث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قاعدة آمنةٍ متينةٍ للدعوة خارج مكة من هجرة الحبشة ورحلة الطائف وعرضه نفسه على القبائل ثم إقامة الدولة في المدينة المنورة يتضح لنا بصورة جلية أن إقامة صرح الإسلام غير مقيد ببقعة محددة من حيث قدسية ما إذا لم تستوف هذه البقعة شروط التمكين.
فمكة المكرمة هي أطهر البقاع وأقدسها على الإطلاق ولكنها احتوت على مجموعة من العوائق اضطرت النبي البحث عن بقعة أخرى مكَّن لدين الله فيها ثم انطلق بعد ذلك منقذًا ومحررًا في كل اتجاه وأبرز هذه الاتجاهات مكة المكرمة نفسها، وهذا هو الشرط الأهم أن يعود المجاهدون محررون مع أول فرصة لذلك. والانطلاق هو المرحلة الثانية في خطة الجهاد الطويلة. المهم أن الدولة الإسلامية تقوم أينما أتيح لها أن تقوم.
هناك لفتة لا تقل أهمية عما سبق. فإقامة الدولة غير مقيد بمدى المساحة أو أنها يجب أن تكون كبيرة لتشمل قطرًا كاملًا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في مدينة معينة الحدود. مع وجوب التنسيق مع الأقطار الأخرى ضمن مشروع التيار الجهادي المركزي لإحكام التمكين، فربما يكون الانطلاق من مدينة استوفت الشروط وسادت فيها المباديء الجهادية الطاهرة والبيئة السليمة وقاعدة الانطلاق القوية [1] .
أرضٌ للمدد
(1) لمزيد إيضاح انظر كتابنا"لوازم الطريق".