إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [1] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [2]
أما بعد/
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.
فإن الله لم يخلق الخلق عبثًا بل خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال تعالى:- {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [3] وقال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [4]
ولم يترك الله جل في علاه الخلق هملًا ولا سدى، بل أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وأمرهم أن يعبدوه وحده ويكفروا بما يعبد سواه لأنه خالقهم وحييهم ومصورهم وهو الأعلم بما يصلحه ويسعدهم في كلا حياتيهم الأولى التي يقضونها سريعة على هذه الأرض والأخرى التى تكون في عالم غير هذا العالم حيث إما جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الموحدين وإما نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ولم يتبع الرسل وكفر بربه وظاهر عليه إبليس الطاغوت الأكبر ...
والناس بحاجة دائمة لله تعالى منذ وجدوا على هذه الأرض فهم بحاجة ماسّة إلى قوانين ضابطة تعدل من غرائزهم وتنظم سلوكهم وتهيأهم للكمال وتأمرهم بالخير فيلتزموه وتنهاهم عن الشر فيجتنبوه ,ورأس كل خير توحيد الله تعالى ورأس كل شر الكفر بالله وعبادة الطاغوت ولذلك كانت هذه القضية هي الهم الأكبر والغاية العظمى للأنبياء والرسل لا يصرفهم عنها صارف ولا يشغلهم عنها شاغل ,ولم تقبل عندهم المساومة أو يرضوا فيها بأنصاف الحلول ونحن بعون الله على أثرهم سائرون ولنهجهم مقتفون وما سردنا هذه المقدمة إلا لنبين أهمية هذه المسألة كرأس لمنهجنا وخطورة الإستهانة بها .. وسنعمل على إيضاحها بشكل مفصل في هذا المبحث. وليس عبثًا
أن كانت كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"كما يقول ابن القيم رحمه الله: -
(لأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار و بها أُسست الملة وجردت السيوف للجهاد وهى حق الله على العباد) اهـ.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (فمن نصح نفسه وأهله وعياله وأراد النجاة من النار فليعرف شهادة أن لا إله إلا الله فإنها العروة الوثقى وكلمة التقوى ,لا يقبل الله من أحدٍ عملًا إلا بها لا صلاة ولا صومًا ولا حجًا ولا صدقة ولا جميع الأعمال الصالحة إلا بمعرفتها والعمل بها وهي كلمة التوحيد وحق الله على العبيد) [5]
والأنبياء كلهم جاءوا بهذا الأصل العظيم فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الأنبياء أولاد علّات) [6] أي أن أصلهم واحد وإن اختلفت شرائعهم، وقد أمروا جميعًا بهذا الأصل الذي جاءوا من أجله {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [7]
(1) 16 - آل عمران"102"
(2) 17 - النساء"1"
(3) 18 - الذاريات"56"
(4) 19 - البيّنة"5"
(5) 20 - الرسائل الشخصية ص192
(6) 21 - متفق عليه
(7) 22 - النحل"36"