يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ; ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ; ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء. . وهكذا كان قلب رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس. ما غضب لنفسه قط. ولا ضاق صدره بضعفهم البشري. ولا احتجز لنفسه شيئا من أعراض هذه الحياة , بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية. ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم. وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه ; نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيبة) [1] .
واعلم أن كل أمير عليه الاتصاف بهذه الصفات النبوية الكريمة. وهذا الخلق من أعظم المقويات لأواصر المحبة في الله تعالى. والأمير إذا لم يتصف بهذا الخلق ينفر المدعوون والمجاهدون من الجماعة وأميرها بسبب قسوته وجلافته. وعليه فلا بد أن يلتزم كل أمير بمبادىء الآية الكريمة وشروطها الثلاثة:-
1 -أن يعفو عنهم إذا أساءوا ...
2 -وأن يطلب لهم المغفرة إذا أذنبوا. ..
3 -وأن يشاورهم في الأمر تأليفًا لقلوبهم وتطييبًا لخواطرهم ...
واعلم رعاك الله أن هذه المعاملة من اللين والرفق وخفض الجناح ليست وقفًا على الأمير دون غيره مع أنها في حقه أثبت - إنما هي عامة بين أفراد الجماعة وبين المسلمين جميعًا فكما أنه من حق المجاهدين على أميرهم الرفق معهم فمن حقه عليهم الرفق وخفض الجناح فقد روى مسلم وأبو داوود وابن ماجه عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يعجز أحدٌ على أحد ولا يبغي أحد على أحد) . فمن حق المسلم على أخيه المسلم الرفق واللين والتواضع والعدل. وقد ذكر الدكتور عبد اللطيف آل موسى ستة أمور تُقوِّي الحب في الله بين أفراد الجماعة ...
أولًا ... إخبار من تحب أنك تحبه في الله لأن ذلك يبقي الألفة ويقوى المحبة. قال صلى الله عليه وسلم (إذا أحبَّ أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه) [2] .
ثانيًا ... إفشاء السلام فإنه يزيل الوحشة ويذهب الدهشة. قال صلى الله عليه وسلم (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) [3] .
ثالثًا ... الهدية. قال صلى الله عليه وسلم (تهادوا تحابوا) [4] .
رابعًا ... تخول الزيارة. أي عدم الإكثار منها لأن الإكثار من الزيارة يحدث الملل ويورث فتورًا في المحبة لقوله صلى الله عليه وسلم (زُرْ غِبًَّا تزدد حبًا) [5] ولله در القائل:-
عليك بإغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكًا
فإني رأيت الغيث يُسأم دائمًا ... ويُسأل بالأيدي إذا كان ممسكًا
خامسًا ... القصد في الحب والبغض. لقوله صلى الله عليه وسلم (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما. وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) [6] .
سادسًا ... الحرص على الطاعة وترك المعصية. لأن ذلك يورث محبة الله للعبد. ومن أحبه الله كتب له القبول الحسن بين عباده. ولذلك
(1) 315 - في ظلال القرآن 1/ 105
(2) 316 - رواه أبو داوود بإسنادٍ حسن
(3) 317 - رواه مسلم
(4) 318 - البخاري في الأدب المفرد وهو حسن
(5) 319 - صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3562)
(6) 320 - صحيح الجامع الصغير وزيادته (176)