فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 253

بريء من الغِل وكذلك نُصحه للأمة [1] . والغل هو الحقد. والنصيحة كلمة جامعة معناها إرادة جملة خير حيازة لخط المنصوح له. وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. كما قالوا في"الفلاح": ليس في كلام العرب كلمة أخرى لخيري الدنيا والآخرة منها.

والنصيحة في اللغة كذلك هي الإخلاص، يقال: نصحت العسل إذا صفيته، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم [2] .

واعلم أن النصح لأئمة المسلمين معناه اقتضاء الواجب نحوهم وتنبيههم عند غفلتهم. وأنت خبير بأن البشر يخطئوا ويصيبوا ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا المعصومون عليهم الصلاة والسلام .. وعليه فالأمير ربما يخطىء في كثير من الأحيان ومن واجبه الشرعي حينئذٍ قبول النصيحة من الدعاة والمجاهدين. لأن ذلك ممارسة منهم لحقٍ ثابتٍ وأصيلٍ من حقوقهم .. يقول الخطابي رحمه الله (فمن نصيحتهم بذل الطاعة لهم - أي للأئمة - في المعروف. والصلاة خلفهم وجهاد الكفار معهم وأداء الصدقات إليهم. وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء سيرة. وتنبيههم عند الغفلة. وألا يغروا بالثناء عليهم وأن يدعى بالصلاح لهم. وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين. في نصيحتهم قبول ما ردوه إذا انفردوا. وتقليدهم ومتابعتهم على ما رووه إذا اجتمعوا) [3] . ولا بد أن نوضح المقصود بالأئمة وهم كل صاحب ولاية دينية أو علمية مما يصح قياس قادة الدعوة عليه وكذلك أصحاب الفضل فيها وأشرف الناس في المجتمع. وقد أوضح النووي ذلك بقوله (وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وعيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات وهذا هو المشهور) [4] .

قال ابن عثيمين رحمه الله(ولاة الأمور. ذكر أهل العلم أنهم قسمان. العلماء والأمراء.

أما العلماء .. فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع. وتعليم الشرع. وهداية الخلق إلى الحق. فهم ولاة أمور في هذا الجانب.

وأما الأمراء .. فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها فصار لهؤلاء وجهة ولهؤلاء وجهة. والأصل .. العلماء، لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويلزم الأمراء بذلك لكن الأمراء لا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء. وهم إذا علموا الشرع نفذوه على الخلق) [5] .

وفي معنى النصح للأئمة ومن هم في طبقتهم من قادة الدعوة وأصحاب الفضل فيها يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله (أعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به. وتنبيههم عند الغفلة. وسد خلتهم عند الهفوة. وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة إليهم ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم) [6] .

واعلم أخانا أن النصح له ضوابط لا بد منها ذكرها العلماء وهي عامة في كل نصح ويجب الأخذ بها صيانة للنصيحة واستكمالًا للأدب .. نذكرها بإيجاز ...

1 -ألا تكون النصيحة على وجه التوبيخ أو التعيير أو يقصد منها الاستعلاء والخيلاء.

2 -أن تكون سرًا ما أمكن ويتجنب التشهير أو المفاخرة فيما بعد النصيحة.

3 -أن لا يلجأ الناصح إلى التصريح إذا كان التلميح كافيًا وكما قيل الإشارة قبل العبارة.

4 -أن لا يكون في النصح رد لاعتبار شخصي أو مظهر من مظاهر الانتقاد والمناكفة.

(1) 330 - مفتاح دار السعادة 1/ 72

(2) 331 - ذكره ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية _ الحديث السابع _

(3) 332 - شرح السنة للبغوي 13/ 93

(4) 333 - شرح صحيح مسلم 2/ 38

(5) 334 - هامش رياض الصالحين ص 205

(6) 335 - فتح الباري (1/ 138)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت