حق ثابت للمجاهدين وذلك بأخذ رأيهم وعدم الإستبداد بالأمر دونهم لقول الله تبارك وتعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [1] وقوله كذلك {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [2] وهذه آية من سورة كاملة سميت بالشورى لأهميتها الكبيرة وآثارها العظيمة .. وفي هذه الآية يمتدح الله تعالى المؤمنين بهذا المبدأ الراسخ فيهم .. والنبي صلى الله عليه وسلم التزم مبدأ التشاور مع أصحابه، وإذا استعرضنا حياته صلى الله عليه وسلم نجد أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمرٍ لا نص فيه من كتاب الله تعالى ممَّا له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية .. ولذلك أجمع المسلمون على أن الشورى في كل أمر لم يثبت فيه"نص ملزم"من كتابٍ أو سنة أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله أما ما ثبت فيه نص من القرآن أو حديث من السنة أبرم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه حكمه فلا شأن للشورى فيه ... واعلم أيها المجاهد أن الشورى ملزمة للحاكم أو الأمير أن يأخذ بالرأي الذي يجمع عليه أهل المشورة وكلهم أهل رأي وخبرة وأمانة ونحن نتكلم هنا عن دعوةٍ كاملةٍ سليمةٍ وإلا لزم أن يكون الأمير مستبدًا برأيه ولا معنى لوجود أهل المشورة حينها. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف النتائج الخطيرة التي كانت تنتظر الصف المسلم جراء الخروج إلى أحد - وهو سبب نزول آية آل عمران المتقدمة - لكنه عزم وتوكل على الله وخرج بعد أن أفضت نتائج الشورى حينها للخروج في تأكيد منه صلى الله عليه وسلم على أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام إلا على أساسه وأنه لازم على الأمير أن يأخذ به. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ به فغيره من الناس أولى. والنص المتقدم {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} جاء عقب وقوع نتائج الشورى المريرة في أحد. فقد اختلفت الآراء قبل المعركة. فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة يجتمعون بها ثم إذا هاجمها الكفار قاتلوهم على أفواه الأزقة ومن فوق البيوت. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل لهذا الرأي. وتحمست مجموعة أخرى ومعظمها من الشباب فرأت الخروج للقاء المشركين. ولما استقر الرأي على الخروج دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ولبس درعهُ لأمته ومضى متوكلًا على الله في درس رهيب وخالدٍ منه صلى الله عليه وسلم أن الشورى لها وقت ولا مجال بعدها للتردد والتراجع والتأرجح مرة أخرى ومعاودة تقليب الرأي من جديد. مضى صلى الله عليه وسلم رغم أنه كان يعرف النتيجة مسبقًا. فقد عرف من خلال رؤياه الصادقة التي رآها أن النتائج ستكون مأساوية. فقد تأول رؤياه قتيلًا من أهل بيته وقتلى من صحابته وتأول المدينة درعًا حصينة.
نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يلغي ما استقر عليه الأمر الناتج عن الشورى. وهذا من حقه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من الله. لكنه أراد إقرار مبدأ عظيم ومن المعلوم أن تعليم الجماعة وتربيتها أكبر من كل الخسائر اللحظية التي سرعان ما تتجاوز الأمة بصلابتها وقوتها ورسوخها في العلم بعد التجارب والمحن. يقول سيد قطب رحمه الله (كان الإسلام ينشىء أمة ويربيها ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بُد من تحقيق الرشد للأمة ورفع الوصاية عنها في حياتها العملية، كي تدرب عليها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى ويمنع تدريب الأمة عليها في أخطر الشؤون - كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة الناشئة نهائيًا وهي تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب - ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر رغم الخطورة - لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون لكان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي كافيًا يومها لحرمان الجماعة من حق الشورى، خاصة وقد كانت النتائج مريرة، ولكن وجود النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي مع تلك الأحداث والملابسات لم يُلغ هذا الحق. لأن الله يعلم أنه لا من مزاولة هذا الحق في كل الظروف مهما تكن النتائج والخسائر وانقسام الصف. وفي هذا إسقاط للحجة التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة كلما نتج عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في"أحد"والعدو على الأبواب. فوجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ ووجودها أكبر من أي خسارة على الطريق) [3] انتهى بتصرف.
نقول أن الشورى وإضافة إلى ما تقدم فإن فيها ممارسة لحرية التعبير عن الرأي وفيها كذلك إعداد الكادر للقيادة. والأهم في الموضوع أنها تزيح العبء عن الإمام الفرد وتحمله للأمة بأسرها من خلال ممثليها القادرين بإذن لله على تحمل الأعباء والمشاركة في اتخاذ القرارات
(1) 337 - آل عمران 159
(2) 338 - الشورى 38
(3) 339 - الظلال 1/ 502