الناس فانتظر الساعة لأن الساعة تقوم على شرار الخلق، ففي هذا التحذير من تضييع الأمانة، وأنه يجب أو يُولَّى المناصب الأهل فالأهل، لأن هذا مقتضى الأمانة) [1] واعلم أن أي عملٍ في أي مجال يتم التكليف فيه لا بد أن يكون على قدر طاقة المكلف بهذا العمل وحسب خبرته وأهليته كما قال تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [2] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) [3] يقول ابن دقيق العيد رحمه الله (وهذا الحديث وقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [4] وأما قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [5] قيل أنها منسوخة بقوله {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} قال بعضهم(والصحيح أنها ليست منسوخة بها، بل هي مفسرة لها، ومبينة للمراد منها) قالوا: حق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نواهيه، والله سبحانه لم يأمر إلا بالمستطاع فإن الله تعالى قال {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} وقال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [6] [7] .
واعلم أن المكلَّف يجب أن يعلم طبيعة العمل وماهيَّة وخبر التكليف لأن التكليف بشيء مجهول هو من التكليف بما لا يُطاق. والتكليف بما لا يُطاق مرفوع عن الأمة كما قرّر العلماء ذلك عملًا بالنص الشرعي المتقدم {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} وجاء في مناهج العقول (من شروط التكليف العلم بخبر التكليف) [8] . وفي أصول الفقه لأبي زهرة (الجهل بالدليل يُسقط التكليف إذْ لم يتوجه الخطاب) [9] .
ولكي تكون عملية التكليف صحيحة ودقيقة فلا بد من معرفة الدعاة والمجاهدين وأحوالهم ويستطيع القائمون على الأمر معرفة المجاهدين والدعاة بطرقٍ كثيرة ومتعددة، لخّصها ابن تيمية في ثلاثةِ طرق فقال (ومعرفة أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس. وتارة بالجرح والتعديل. وتارة تكون بالاختبار والامتحان) [10] .
والطريقة الأولى هي شهادات الناس وتسمى"شهادة الاستفاضة"...
وهي ما ينتشر بين الناس بشكلٍ عام وبين المجاهدين بشكلٍ خاص من العارفين بصفات الداعية المجاهد. وهذه الطريقة مع الطريقتين الأخريين يمكن للقائمين على الدعوة أن يأخذوا بها. فشهادة الاستفاضة إذا لم يكن لها معارض بأن اشتهر أحد المجاهدين بعملٍ ما بين أفراد الجماعة وما عُرف له مُعارض منهم كُلّف بإدارة هذا العمل على أن يؤخذ بقاعدة الأمثل فالأمثل داخل نطاق الموضوع المقصود.
واعلم أن شهادة الاستفاضة هي الأصل في الحكم على المجاهدين وأحوالهم ولا ينبغي لمن يريد الأخذ بها من القائمين على الأمر إذا أراد تكليف المجاهد بعملٍ ما، لا ينبغي له الاستفصال إلا عند الحاجة. فيمكن التفصيل ببعض الخصائص والاستفسار عنها عند تكليفه. والأعمال مثل الانضمام للجماعة أو تكليفه بمهمة جهادية أو دعوية. وكلما زادت أهمية الموقع والعمل كلما كانت الحاجة إلى الاستفصال أهم وأكثر ضرورة.
أقول: أن مجالات الدعوة والجهاد كلها هامة وتحتاج إلى التدقيق في عملية التكليف حتى لو كانت المهمة عبارة عن حلقة في مسجد فهي من الأهمية بحيث لو كان الأساس وهو المعلم فيه ما يقدح تصدع البنيان وهم المتلقون من الأحداث والأشبال وُوُجِدَ الخلل لا سمح الله.
(1) 379 - هامش رياض الصالحين 445
(2) 380 - البقرة 286
(3) 381 - متفق عليه من حديث أبي هريرة
(4) 382 - التغابن 16
(5) 383 - آل عمران 102
(6) 384 الحج 78
(7) 385 شرح الأربعين النووية الحديث التاسع
(8) 386 - مناهج العقول للبَدَخْشي 1/ 170
(9) 387 أصول الفقه 351
(10) 388 - فتاوى ابن تيمية 15/ 330