حفاظًا على السهام وحتى لا تنفذ من غير فائدة، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - ألا يضربوا إلا مِنْ قريب، حتى تصيب القوم، فلما أقبل المشركون ودنوا من جيش المسلمين أخذ النبي - صلي الله عليه وسلم - ترابًا من الأرض ثم رماه في وجوه المشركين فما وقع منها شيء إلا في عين رجل منهم [1] .
وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] .
ثم أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجوم، فَقَالَ لهم:"قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ"، فقَالَ عُمَيْرُ بن الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ الله جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟! قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: بَخٍ، بَخٍ [2] .
فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ، بَخٍ؟"، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ الله إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ:"فَإنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا"فَأَخْرَجَ - عمير بن الحمام- تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ [3] فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ [4] .
والْتحم الجيشان التحامًا شديدًا، وحمى الوطيس، وظهرت بطولات الصحابة رضي الله عنهم، يتقدمهم النبي - صلي الله عليه وسلم - فهو أشجع الشجعان، حتى إنَّ عليًا - رضي الله عنه - يقول: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِرَسُولِ الله - صلي الله عليه وسلم - وَهُوَ أَقْرَبُنَا إلى
(1) "تفسير الطبري"9/ 217، بأسانيد مرسلة عن قتادة، وعروة، وعكرمة وتشهد له الآية.
(2) بخ، بخ: فيه لغتان أحدهما: إسكان الخاء، أو كسرها منونًا، وهي: كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير."شرح مسلم"للنووي 7/ 44.
(3) قرنه: بقاف وراء مفتوحتين، وهي الجُعبة.
(4) صحيح: أخرجه مسلم (1901) ، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.